| دراسة تحليلية   عدد القراء : 720   . الأمثال القرآنيـة عبد الرحمن فاضل مثلنا لهذه الحلقة من سورة الأعراف، حيث يقول تعالى:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ). قبل هذه الآية الكريمة لو نقرأ الآيات السابقة لوجدناها الكلام يدور حول الخلق وإبداع السموات والأرض، وما بث فيهما من الأمور العجيبة التي هي الشاهد الأكبر على عظمة الخالق، ثم ختم هذا المشهد بتصوير حالتين متناقضتين؛ إحدهما للمؤمن، والأخرى للكافر؛ وهما صورتان تلوّنتا بطبيعة الآيات السابقة، حيث تجسدت على أتمها في هذا المعرض. ولنطالع هذا المشهد عن كثب من خلال تفسير ألفاظه. قال تعالى:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)أي: التربة الطيبة يخرج نباتها بإذن الله وتيسيره إخراجاً حسناً تاماً وافياً.( والذي خبث) أي: والتربة الخبيثة، وهي الأرض السبخة التي لا يخرج نباتها. يقال: خبث الشيء يخبث خبثاً وخباثةً.(لا يخرج إلا نكداً) أي: يخرج لا خير فيه أو عسير بمشقة، والشيء المنكود هو الشيء ذو العطاء القليل، قال الشاعر: واعطِ ما أعطيته طيّبها لا خير في المنكود والناكدِ وهذه الجملة صفة لموصوف محذوف تقديره:(والبلد التي خبث) وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه، ثم ختم الآية سبحانه بقوله(كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) أي: مثل ذلك التصريف البديع نعيد ونكرر الآيات الدالة على القدرة الباهرة، والتصريف: تبديل حال بحال، ومنه تصريف الرياح. لقوم يشكرون نعم الله تعالى، وشكر ذلك يكون بالتفكر فيها والاعتبار بها.. وختم سبحانه الآية بالشكر لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سبباً لنزول المطر الذي هو رحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سبباً لحدوث انواع النبات النافعة اللذيذة، كما أنه تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد، فلا جرم كانت من حيث أنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها. وفيه إشارة إلى أن مورد التمثيل بالبلد الطيب هو المؤمن، وبلبلد الخبيث وهو الكافر. بعد كل هذا نقول: إن البيان قد وضح في هذا التمثيل القرآني الجليل؛ وهو المناظرة بين صنفي الإيمان والكفر كحال الأرض الطيبة الندية الزكية المثمرة بالخير والبركة، والأرض السبخة الجرداء الشحيحة النفع التي يموت فيها أي زرع؛كذلك الروح الطاهرة النقية عن الشوائب الجاهلية والاخلاق الذميمة إذا اتصل بها نور القرآن ظهرت فيه انواع من الطاعات والأخلاق الحميدة والروح الخبيثة الكفرة وإن اتصل بها نور القرآن، يظهر فيها من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل فالمؤمن طيب وعمله طيب، والكافر خبيث وعمله خبيث، فالهدى والآيات والموعظة تتنزل على القلب كالماء على التربة؛ فإن كان القلب طيباً تفتح واستقبل وزكى وفاض بالخير، وإن كان فاسداً شريراً استغلق وقسى وفاض بالشر. قال ابن عباس (رضي الله عنهما)( هذا مثل ضربه الله لأدم وذريته كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه فطاب ومنهم من كفر بالله وكتابه فخبث). وقيل: المراد من الآية ان الأرض السبخة يقل نفعها وثمرها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً في الحصول على المنفعة، فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا بد منها كان أولى. اهم الإشارات القرآنية التي وردت في هذا المثل نوجزها بالأتي: 1- في الآية دليل على أن السعيد سعيد في أصله، ومن منبته، فهو غرس يبذر منذ البدء ويبقى للأبد، حتى وان طرأت عليه غفوات وهفوات، أو خالطه شك وريب؛ فإنه لا محالة يعود لأصله كالأرض منها ما لا يصلح أبداً مهما حاول الإنسان، ومنها ما هو طيب زكي يصلح لأي زرع وتعطي أفضل الثمار، وهذا ما نلمسه واقعاً من خلال قلوب الهبة منصرفة عن الجسيمات، ومنها ماهو كالحجارة أو أشد قسوة. روى الامام مسلم في صحيحه عن عياض المجاشعي(رضي الله عنه) أن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال في خطبته عن الله عز وجل(اني خلقت عبادي حنفاء كلهم وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم). 2- إشارة إلى أن إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام التي هي ماء حياة القلوب الى المكلفين المقسمين الى المقتبسين من انوارها والمحرومين من مغانم آثارها، وقابلية كل شخص على الإنتفاع والإستدلال الواضح. 3- إن الإنسان المؤمن هو الذي يعمّر الأرض وهو وارثها وخليفتها الحقيقي لله تعالى في أرضه وأن الكافر مخرب لها مفسد فيها، وقال أمره الى حسران وزوال. 4- في الآية تبيين لمعادن الناس ومنازلهم، فمنهم الجيد، ومنهم الأقل، ومنهم الظالم لنفسه، وهكذا هم متفاوتون في قلوبهم كالأرض منها ماهو كريم، ومنها ماهو فاسد وكما قيل( الناس أجناس) وفي الحديث (الناس معادن...الخ الحديث). عن عبد الله بن مهران قال: جح الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياماً ثم أمر بالحيل، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج، فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به، إذ أقبلت هوادج الرشيد فكف الصبيان من الولوع به، فلما جاء الرشيد نادى بأعلى صونه(يا امير المؤمنين فكشف الرشيد السجاف بيدّ وقال: لبيك يا بهلول، فقال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن ابن نائل عن قدامة بن عبد الله العامري قال:رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمضي على جمل وتحته رجل رث، فم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك اليك، وتواضعك في سفرك هذا يا امير المؤمنين خير لك من تكبرك، فيكن الرشيد، وقال يابهلول زدنا رحمك الله، فقال: هب أنك ملكت الأرض طرا وأن لك العباد فكان ماذا أليس غداً مصيرك جوف قبر وجثو التراب هذا ثم هذا بكى الرشيد ثم قال: احسنت، هل غيه، قال: نعم رجل آتاه الله مالاً وجمالاً، فأنفق من ماله وعف في جماله وكبت في خلص ديوان الله من الأبرار.فقال. أحسنت، ثم أمر له بجائزة. فائدة: في قوله تعالى:(بإذن ربه) تشريف لهذا النبات الطيب الكريم، وهذا الإذن هو إذن عناية وتكريم. وختاماً نقول:(اذا زكى الأصل نمى الفرع، وان خبث الجوهر لم يطب ما تحلل منه، وان طاب العنصر فالخير يحاكي الاصل، والأسرّة تدل على السديرة، فمن صفى باطن قلبه، زكى ظاهر فعله، ومن كان بلعكس، فحاله بالضد).
|