| الرد على من جعل الشكر أخصّ من الحمد   عدد القراء : 727   . عبد المنعم البدارني الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه وبعد: فلقد اختلفت اقوال اهل العلم بشأن الشكر والحمد ايهما اعم وايهما اخص، فقالت طائفة الحمد اعم من الشكر . وقالت الاخرى: الشكر اعم من الحمد وهذا هو الصواب الذي نعتقده وننصره. فان الحمد اخص من الشكر لاعتبارين الاول: باعتبار ان الحمد عبادة لسانية قولية والكتاب والسنة قد اشار الى ذلك اشارة واضحة ابتداء من اول سورة في القرآن الا وهي قوله جل وعلا:(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)ثبت في صحيح مسلم وغيره ان النبي صلى الله عليه وسلم قال:يقول العبد (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)قال الله تعالى (حمدني عبدي)والحمد بمعنى الثناء على صاحب النعمة، فالله تعالى يحمد ويثنى عليه قولا لنعمه التي لاتعد ولا تحصى. واذا تتعبنا مواضح الحمد في القرآن نجدها ثناءا على نعمه جل وعلا نحو قوله تعالى:(َفقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)والنعمة هي قطع دابر الذين ظلموا، وقوله جل وعلا(َقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا)وهي نعمة الهداية وقوله جل وعلا(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)وهم اهل الجنة وقوله جل وعلا(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)وهو ابراهيم عليه السلام. وقوله جل وعلا(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)وهو القرآن العظيم وقوله(فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)وهي نعمة النجاة. وقوله(وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) وهما داود وسليمان(عليهما السلام) وقوله جل وعلا(وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)وهو ثناء اهل المحشر على الله تعالى حتى من قضى عليهم بالنار وذلك لكمال عدله وتمام قسطه وانصافة فلا يظلم عنده احد. ومنه قوله جل وعلا(وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) اي يثني على الله بما هو اهله، وقوله جل وعلا(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ) اي يثني على ربه لنعمه التي اسبعتها ظاهرة وباطنة. واما السنة فلقد دلت على ان الحمد عبادة قولية، مثل قوله (صلى الله عليه وسلم):(ان الله يحب احدكم اذا اكل اكلة او شرب شربة ان بحمده عليها). ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم): (في دعاء الاستيقاظ (الحمد الذي احياني بعد مماتي). زمنه قوله (صلى الله عليه وسلم) بعد الفراغ من الطعام والشراب (الحمد لله الذي هو اطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا).ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) بعد الفراغ من قضاء الحاجة (الحمد لله الذي عافاني واذهب عني الاذى) وغير ذلك كثير، والمراد من هذا الاستدلال هو تبيان ان الحمد عبادة لسانية قولية هي جزء من الشكر لله تعالى، واما الشكر فهو اعم من الحمد بكثير؛ لانه بمعنى الايمان، فالشكر قول باللسان (وهو الحمد)واعتقاد بالجنان وعمل بالاركان. والكتاب والسنة يدلان على ذلك دلالة صريحة فان القرآن قد عبر عن الشكر بالحمد على النعمة باللسان وعلى العبادة بالاركان والاعتقاد بالجنان؛ فاما الشكر بمعنى الحمد والثناء على الله تعالى لنعمه التي لاتحصى كما في قوله جل وعلا(وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وقوله عز من قائل(وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وغير ذلك من الايات. واما الشكر بمعنى الايمان والتوحيد واخلاص العبودية لله تعالى كما في قوله جل وعلا (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) ومنه قوله جل وعلا(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)والشاكرون هنا الثابتون على الحق والدين الذين يعتقدون اعتقادا جازما بأن ما سوى الله آيل الى الموت وان الله حيّ لايموت. وقوله جل وعلا على لسان المشركين (لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) اي الموحدين المخلصين في العبودية لله رب العالمين. وقوله جل وعلا على لسان بعض ذرية آدم(لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)اي الصالحين الموحدين واما توصيف الشكر بالعمل بالاركان في القرآن فهو كثير ومنه قوله جل وعلا(اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً)فسمى العمل شكرا لله تعالى وقوله جل وعلا(لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً)اي اراد عبادة لله تعالى وعملا بشرعته. وقوله جل وعلا(َخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) اي العاملين بما اتاه الله من الشرعة السمحاء وقوله جل وعلا(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ)اي العاملين وقوله تعالى(إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً)اي نوح عليه السلام فانه كان عاملا بشرعة الله تعالى.واما السنة فقوله (صلى الله عليه وسلم) لعائشة رضي الله عنها حينما قالت له(تقوم الليل يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!فقال (صلى الله عليه وسلم) يا عائشة افلا اكون عبد شكورا)فعبر (صلى الله عليه وسلم) عن شكره لانعم ربه بالعمل وهو القيام ليلا حتى تفطرت قدماه (صلى اله عليه وسلم) وبما ان الشكر اعم من الحمد كان الشاكرون اقل من الحامدين وذلك لسهولة الحمد فانه متعلق باللفظ باللسان وصعوبة الشكر فانه متعلق باللسان والجوارح والاركان والنفس والجنان. ولذلك قال الله تعالى(قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)وقال جل وعلا(وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) وقوله تعالى(وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ) وقوله جل وعلا(وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور)وقوله جل وعلا(وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)وهذه الندرة من الشاكرين بسبب ان الشكر هو عمل بالشرعة ظاهرا وباطنا عملا واعتقادا عبادة وسلوكا واما الحمد فان اغلب اهل الارض يحمدون الله تعالى بالسنتهم وربما يكونون من اهل الشرك والوثنية واما امة محمد (صلى الله عليه وسلم) فقلما تجد فيها من اذا سألته لايقول (الحمد لله) وتجد في اكثر هؤلاء فسوقا ومخالفة للشرعة ومعصية لله والرسول (صلى الله عليه وسلم) و مع ذلك هو من امة (الحمادين)الذين يحمدون الله بالسنتهم ويخالفونه بقلوبهم واعمالهم واما الشاكرون فاؤلئك الذين عبدوا الله بالسنتهم وقلوبهم وابدانهم وهو تعريف الايمان عند اهل السنة فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان وهؤلاء هم الشاكرون. |