دراسة تحليلية   عدد القراء : 768   .


الأمثال القرآنيـة
عبد الرحمن فاضل
نحن اليوم والمثل الحادي عشر في هذه السلسلة المتصلة من هذا البحث، ووصلنا الى الآية رقم(259) من سورة البقرة، يقول تعالى:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أراد الله هدايته، وهو معطوف على الآية السابقة، والتي تحدثت عن محاججة سيدنا إبراهيم(عليه الصلاة والسلام) وتأييد الله له بالحجة القاطعة، والنصرة على عدوه(النمرود) ملك بابل.
ولنأتي الى الشرح؛ قال تعالى:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) أو للعطف بالجمل على المعنى، أي: هل رأيت كا لذي حاج، او كا لذي مرّ على قرية. والمعنى: ألم ينته إلى علمك مثل الذي مرّ على قرية. واختلفت الرواية في هذا الذي مر بالقرية؛ فقيل: هو عزيز كما روى الطبري عن ابن عباس(رضي الله عنهما)، وقيل: إرميا وهو الخضر، وهو قول ابن اسحق. وأيا كان المقصود فالعبرة ليس في اسمه، أو شخصه، بل في الأمر نفسه، لذا لم يذكر سبحانه الاسم هنا. والقرية هي(بيت المقدس) وقيل غير ذلك. قال الشوكاني:( والمشهور هي بيت المقدس - بعد تخريب بختنصر لها-  في قول وهب بن منّبه، وقتادة، والربيع، وابن انس وغيرهم) وقال القرطبي:(قيل المقصود بالقرية أهلها).
وللإمام الطبري في هذا قول جميل يقول:(وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قبله البيان على اسم قائل ذلك، وجاز أن يكون ذلك عزيز، وجاز أن يكون إرميا، ولا حاجة بنا الى معرفة اسمه اذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله تعالى على إحياء خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد إفنائهم). وسميت القرية قرية لا جتماع الناس بها، من قولهم:
(قريت المار أي جمعته).(وهي خاوية على عروشها) أي؛ ساقطة على سقوفها. وكل شيء يصنع ليكون ظلاً  فهو عرش. وقال السدي معناه: خاوية من الناس ، والبيوت قائمة، ومعنى(خاوية عنده:خالية).(قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) أي ذلك الرجل قال: كيف يحيي الله هذه البلدة بعد خرابها، ودمارها، قال ذلك استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجباً من حال تلك المدينة، وكان راكباً على حمار عند مروره.(فأماته الله مائة عام) أي: أمات الله تعالى ذلك السائل الماّر على  القرية، واستمر ميتاً مئة عام، ثم قال سبحانه(ثم بعثه) أي: أحياه تعالى ليريه كمال قدرته.(قال كم لبثت) وهذا استئناف كأن سائلاً سأل: ماذا قال بعد بعثه؟ فأجاب:(قال كم لبثت) وهذا استئناف كأن سائلاً سأل: ماذا قال بعد بعثه؟ فأجاب:(قال لبثت يوماً أو بعض يوم) أي: اجاب على حسب عادة من نام في يوم واستيقظ فيه فإنه يرى انه نام يوماً او بعض يوم. فأجابه سبحانه (قال بل لبثت مائة عام) أي: مكثت ميتاً مئة عام كاملة، ولكي تقتنع بما أخبرت به(فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه) اي: اذا شككت فانظر الى طعامك وشرابك، وكان معه؛ عنب وتمر وعصير، فوجدها على حالها لم تتغير، ومعنى يلّسنه؛ أي لم تمرّ عليه السنون فتغيره، وتفسده.(وانظر إلى حمارك) اي: كيف تفرقت عظامه، ونخرت وصار هيكلاً من البلى.( ولنجعلك آية للناس) أي: فعلنا ما فعلنا لتدرك قدرة الله تعالى ولتكون معجزة تدل على قدرة الله عز وجل.(وانظر إلى العظام كيف ننشزها) أي: تأمل في عظام حمارك البالية، كيف نركب بعضها على بعض وأنت تنظر لها بعينك. والنشوز؛ هو الارتفاع.(ثم نكسوها لحماً) أي: نسترها كما نستر الجسد باللباس.( فلما تبيّن له قال أعلم أن الله تعالى على كل شيء قدير) أي: فلما ظهرت الآيات أيقنت وعلمت علم المشاهدة ان الله تعالى على كل شيء قدير. قال القرطبي:( وهو كما يقول الإنسان المؤمن إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الباري عز وجل (لا اله الا الله ونحو هذا).
إذن المعنى الإجمالي والصورة النهائية لهذا المثل هي؛ إثبات الحّجة على كل من أنكر شيئاً من الموت والبعث والإحياء من الكفار والمشركين وغيرهم. فقد جسّد هذا المثل قضية البعث والنشور بما هو أيسر إثباتاً، وأقوى حجة من خلالل صور حسيّة مشاهدة يراها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وبهذا الوصف المطنب إحياء للقلوب والانفس الميتة.
أما أهم الفوائد المتحصلة من هذا المثل فهي:
1- تعريف العباد بعظمة الخالق سبحانه من حيث؛ الخلق، والقدرة، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، كما انه يدل على صدق نبوة محمد(صلى الله عليه وسلم) بما أخبر بما لم ير، ودليل صدق على القرآن الكريم أيضاً.
2- خطاب وإرشاد لأهل الإيمان أن يتمسكوا بإيمانهم، ويعضوا عليه بالنواجذ، لأنهم أهل الحق ولتطمئن قلوبهم بعد مشاهدة الآيات الباهرة من الرب الحكيم، وان هذه الآيات هي المحرك والدافع اذا ضعف الإيمان في القلوب، ففيها الراحة والثبات، كما ان في المثل اشارة إلى غرق الكفار في وحل المادية، فهم لا يخرجون عن حدودها، ولا هم يتذكرون.
3- الإشارة الى عناية الله سبحانه بأهل دينه، مهما ابتعدوا عن الطريق فإن الله معهم أينما كانوا،سميع بصير، كما قال عزير(اعلم ان الله على كل شيء قدير).
4- إن المؤمن يحق له التعرف على خالقه بشكل يجعله يطمئن ويرتاح من أن تخالجه رياح الشك والريبة، وسوء الظن بربه،فما عليه سوى الرجوع الى الآيات في النفس والآفاق ليعود الى رشده بعيداً عن فلسفة وترهات المشعوذين والدجالين. والله وليّ المؤمنين.
قال ابن عجيبة في تفسيره:(في هذه الآية والتي بعدها الإشارة بالأمر بتربية اليقين والترقي فيه من علم اليقين الى عين اليقين؛ فإن الروح ما دامت محجوبة بالوقوف مع الأسباب والعوائد وبرؤية الحس والوقوف مع الوسائط، لم تخل من طوارق الشكوك، فإذا انقطعت إلى ربها، وخرقت عوائد نفسها، كشف لها الحق تعالى عن أستار غيبه، وأطلعها على مكنونات سرّه، وكشف لها عن أسرار الملكوت، وأراها سناً الجبروت، فنظرت الى قدرة الحي الذي لا يموت، وتمتعت بشهود الذات وأنوار الصفات في هذه الحياة وبعد الممات،فحينئذ ينقطع عنها الشك والأوهام، وتتطّهر من خوارق الخواطر، وتزول عنها الأمراض والأسقام).
فائدة: سئل ابن عطاء:(لماذا أري إبراهيم إحياء الموتى في غيره، وأري عزير ذلك الأمر في نفسه؟ فقال: لأن إبراهيم الخليل تلطّف في السؤال فقال(أرني) اما عزيز فتعجب من القدرة فأري في نفسه تأديباً له).