| شرعة الرحمن في إقامة العدل والميزان ومحاربة الظلم والعدوان   عدد القراء : 557   . قال تعالى(وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)هذا نهي من الله تعا لى لعباده المؤمنين خاصة ان لايبخسوا الناس اشياءهم اي لاتحتقروا او تسترخصوا اشياء الناس مهما كانت صغيرة او كبيرة اي لاتنقصوا اشياء الناس عن نصابها. عبد المنعم البدراني والبخس: هو نوع تحريف للحق عن نصابه وعن اهله وعن مستحقية، وهو نوع ظلم لاستحقاق الناس وهو مناف للعدل الذي امر الله تعالى به. واذا تتبعنا مواضع البخس في القرآن وجدناها تدور حول معنى الإنتقاص لحقوق الآخرين نحو قوله تعالى(فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)وقوله تعالى(وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)والفرق بين الآيتين، هو ان الله تعالى قد ذكر الميزان والوفاء في الآيتين ثم زاد الآية الثانية بذكر القسط، وهو تعريف للميزان الذي يراد به العمل والانصاف، وقد ذكر الله تعالى الميزان في أكثر من موضع في القرآن الكريم اشارة منه جل وعلا إلى ان الدنيا لاتسقيم الا بالميزان والعدل والانصاف والقسط وعدم (البخس)كما في قوله جل وعلا(اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)والميزان هنا هو العدل والقسط والانصاف المنافي للظلم والبخس. وقوله جل وعلا في سورة الرحمن(وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)وهو العدل(أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)والطغيان في الميزان هو الظلم المنافي للعدل(وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)وخسران الميزان هو التطفيف المنافي للعدل وبين الله تعالى انه ارسل الرسل لاقامة العدل والقسط كما في قوله في سورة الحديد(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). وفي هذه الآية المباركة ذكر لقوام الدين وإعمار الدنيا وتحقيق المصالح للعباد وذلك لا يتحقق الا بأمرين: الأول :العلم المستلزم للعدل، والقسط والانصاف المنافي للظلم والبخس، وهو المشار اليه في قوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)فالبينات والكتاب اشارة الى العلم المنافي للجهل، والميزان والقسط اشارة الى العدل المنافي للظلم والبخس. فالدنيا تعمر ويصلح حال اهلها بالعلم والعدل. ويعم عليها الخراب والدمار والفساد بالجهل والظلم والبخس. الأمر الثاني: الذي تصلح به احوال الدنيا هو القوة التي تستلزم الشجاعة المنافية للضعف والوهن والخور والجبن وهو المقصود بقوله جل وعلا:(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)فالحديد هو مادة اولية لصناعة الاسلحة التي يدافع المسلم فيها عن نفسه وينصر بها دينه وشريعة ربه وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وهو معنى قوله جل وعلا(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ). فالشرع يقوم على هذين الاصلين الاصيلين العلم والقوة وثمرتها اقامة العدل والقسط والانصاف على وجه البسيطة ومحاربة الظلم والجور والعدوان والبخس فالدين والدنيا لا يقومان على العلم وحده، فالعلم من غير قوة ضعف وهذا هو حال الامة اليوم فان فيها آلافاً من العلماء والفقهاء والمفسرين والاصوليين والمحدثين والوعاظ والخطباء والدعاة ولكنهم لم يستطيعوا ان يقيموا العدل ويرفعوا الظلم والبخس، والجور عن الناس لانهم لايملكون اداة التغيير الا وهي القوة والسلطان والقضاء والحكم. وفي الوقت ذاته تجد ان اهل الجاهلية قد امتلكوا اسباب القوة ولكنهم لم يحققوا العدل والقسط والانصاف لانهم لايملكون العلم الشرعي الذي يدلهم على تقوى الله تعالى ومراقبته وخشيه في السر والعلن انما يتحاكمون الى الطاغوت والى علوم اصطنعوها وقوانين انتحلوها ما انزل الله بها من سلطان فانتشر الظلم والجور والبخس والعدوان وعم الفساد في البر والبحر. فالامة عليها ان لاتحرص على نشر العلم دون البحث عن اسباب امتلاك القوة التي تكون حارسا للعلم الشرعي وتطبيقه على ارض الواقع. وفي الوقت نفسه عليها ان لاتحرص على تحري اسباب امتلاك القوة دون نشر العلم الشرعي الذي يكون مهذباً للقوة ومرشدا لها ومطوعا لها على طاعة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم). والناس في ذلك طرفان ووسط: الاول: انشغل بنشرعلوم الآلة بين عوام المسلمين(وهم ليسوا بحاجة اليها) وصدهم عن واجب الوقت وعصرية المواجهة مع اعداء الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين من اليهود والنصارى ومن لفّ لفّهم وصار ذنبا لهم. الثاني: انشغل بالسياسة ولم ينظر الى موافقته للشرع ام لا كما هو حال كثير من الاسلاميين الذين شاركوا العلمانيين في العمليات السياسية والبرلمانية في كثير من الدول الاسلامية بغية منهم للتغيير والامر بالمعروف ولم يردعوا فسادا ولا ظلما ولم يحققوا عدلا، بل على العكس من ذلك فانهم أعطوا مشروعية لاقامة دولة جاهلية على غير ما امر الله تعالى به ورسوله (صلى الله عليه وسلم) متحاكمين الى الطاغوت(وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ)كما هو حال الاسلاميين في الحكومة العراقية العملية للاحتلال الذي مرر مشاريعه ومخططاته الخطيرة على مستقبل الامة من خلالهم وتحت مرأى ومسمع منهم، ولكنهم لم يستطيعوا التغيير او التعطيل لتحرير هذه المشاريع، وهذا امر واقع عند كل الاسلاميين الذين يشاركون في حكومات جاهلية لا تحكم بما انزل الله تعالى كما هو حال الاسلاميين في مصر والكويت وغيرهما. واما الطرف الوسط فهو الذي اعتمد الاصول السلفية في الدعوة الى الله تعالى مع اعتبار عصرية المواجهة مع اعداء الاسلام فلا ضيع اصوله الشرعية السلفية الموافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الامة من الصحابة والتابعين، ولا هو انشغل بذلك وعن واجب الوقت في نصرة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وشعاره العدل والقسط والانصاف ومحاربة الظلم والفساد والبخس والجور والعدوان. وكل ذلك يتحقق بالقلم واللسان وباليد والسيف والسنان. فان قال قائل: ان اعداء الاسلام اقوياء قلنا له: ان الله اقوى واعز ولذلك ختم الاية في سورة الحديد بقوله (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).اي انه اقوى من كل قوي واعز من كل عزيز فالنصر يتحقق بقوته جل وعلا والعزة تتحقق بعزته. فما علينا الا ان نرجع الى الله ونلوذ بحماه ونعمل بشرعته ونلزم سنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وان لانتعجل الثمار قبل ينعها ونضوجها، فمن تعجل الشيء قبل اوانه عوقب بحرمانه، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على سيد الاولين والاخرين محمد وعلى اله واصحابه وازواجه وذرياته، واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
|