| دراسة تحليلية   عدد القراء : 607   . الأمثال القرآنيـة الحلقة(9) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلنا معاً إخوتي إلى الحلقة التاسعة من(الامثال القرآنية)،فبعد ان ذكر الله تعالى حال المنفقين(المؤمنين)و(المرائين) وبيّن أحوالهم أوضح بيان، انتقل سبحانه الى ذكر حالة جاهلية منكرة جداً اعتاد الناس عليها وصارت لهم طبعاً. ألا وهي (أكل الربا) فقال جل جلاله:( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). قد يسأل احد، ويقول ما وجه المناسبة بين الآيات السابقة التي تحدثت عن(الصدقة) وهذه الآية التي تتحدث عن (الربا)؟ والجواب:يقول المفسرون: (ان بين الصدقة، والربا مناسبة من جهة التضاد، لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله تبارك وتعالى بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله- سبحانه وتعالى- عنه،فكانا كالمتضادين، ولهذا قال تعالى(يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) فلما حصلت المناسبة بينهما من هذا النوع، ذكر حكم الربا عقيب حكم الصدقات. أما شرح مفردات الآية فيقول الله تعالى:( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ) الربا في اللغة، الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربوا، ومنه قوله تعالى(لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) اي زادت ويقال :أربى الرجل،اذا عامل في الربا ،ومنه الحديث:(من أجبى فقد أربى) اي: عامل بالربا، والإجباء:بيع الزرع قبل ان يبدو صلاحه،ومنه الربوة ومعنى الآية: الذين يكسبون الربا ويفعلونه. وانما عبّر عن الفعل بالأكل، لإن المقصد من الربا هو الأكل وهو اقوى المعاصي عند البشر؛ ولأنها تدل على الجشع. فهو جزء أريد به الكل، والأكل في الحقيقة ابتلاع الطعام، ثم أطلق على الإنتفاع بالشيء وأخذه بحرص، وأصله تمثيل، ثم صار حقيقة عرفية فقالوا:(اكل مال الناس) ومنه قوله تعالى(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) ثم قال:(لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) لا يقومون من قبورهم في البعث يوم القيامة، وقيل:يجعل معه شيطاناً يخنقه، وقيل: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند المحشر، ويقوّي هذا التأويل قراءة (ابن مسعود) رضي الله عنه(لايقومون يوم القيامة) روى الطبري في تفسيره عن (سعيد بن جبير)رحمه الله قوله في الآية:(قال:يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنوناً يخنق) وكذا روى المعنى نفسه عن(ابن زيد،والضحاك،وقتادة،والسدي،ومعنى(يتخبطه)أي:يتخبله من المس، او يتملكه، ويتحمله،و(المس) الجنون. ثم قال سبحانه عن سبب هذا العقاب:(ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا) اي يصيبهم ذلك لإنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون: انما البيع الذي أحله الله لعباده مثل الربا، وذلك ان الذين كانوا يأكلون الربا من أهل الجاهلية، كان اذا حل مال احدهم على غريمه يقول :الغريم لغريمه الحق:زدني في الأجل وازيدك في مالك، فكان يقال لهما هذا ربا لا يحل، فإذا قيل لهما ذلك.قالا سواء علينا زدنا في اول البيع او عند محل الحال، فكذّبهم الله في مقالتهم،ثم رد عليهم سبحانة(وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) أي : احل الله تعالى: الارباح في التجارة والشراء، والبيع وحرم الربا يعني الزيادة التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، وتأخيره دينه عليه(فمن جاء موعظة من ربك فأنتهى) أي : من جاءه التذكير والتخويف الذي ذكرهم وخوفهم به في آي القرآن وانتهى عن أكل الربا، و أرتدع عن العمل به،(فله ما سلف)وسلف؛ما تقدم من الزمان ومضى ومنه الأمم السالفة والمعن له ما أكل، واخذ قبل مجيء لموعظة والتحريم من ربه(وامره الى الله) يعني وامر أكله بعد مجيء الموعظة من ربه والتحريم، وبعد انتهاء آكله عن اكله الى الله وتوفيقه، ان شاء عصمه وثبته، وان شاء خذله عن ذلك. (ومن عاد) الى استحلال الربا وانه مثل البيع(فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لانه كفر باستحلال ما هو محرم اجماعاً. فيكون المعنى الاجمالي لهذا المثل القرآني: هو النهي البليغ عن تعاطي هذا الامر المنكر المتمثل بـ(الربا) وانه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة، وأن مآل مرتكبه هو(الجنون) يوم القيامة، بسبب كذبهم وافترائهم (وفي الدنيا خسران مبين)، فقد آذنه الله بحرب إن لم يتب عما هو عليه فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) وان هذا الربا لا يشبه الربح الحلال المتمثل بالبيع بشتى انواعه فالأمر أمر الله والقضاء قضاؤه قضى ذلك. ليس لأحد ان يعترض على حكمه، ولا ان يخالف امره، وانما على العباد ان يطيعوه ويسلّموا لحكمه، وقد اطنب سبحانه في ذكر حال من يعمل هذا الأمر ترهيباً منه وتحويفاً، فمآله الى الجنون والكفر والنار. قال الحرالي: في اطلاقه اي قوله(لايقومون) اشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والاخرة، ففي اعلامه ايذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل، يقبل في محل الادبار ويدبر في محل الإقبال، وفي الآيه اشارة الى ان الله تعالى تض بنوع العقل من المربي، وكما اعلم سبحانه اثر الخير في الانفاق اعلم بأثر الشر في الربا في دار الاخرة والدنيا، وكما يعجّل للمنفق خلفاً في الدنيا، كذلك ويعجّل للمربيّ محقاً في الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم:(لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه اذا علموا به) رواه الطبري. اما الاشارات النافعة والدلالات المبصرة في هذا المثل فتتجلى في: 1- النهي عن الربا ذلك المرض المزمن الذي لا ينفع معه دواء سوى التوبة منه، فهو أشبه ما يكون بنخر لجسد التعاملات الحلال، وتثقيل لكواهل الناس المحتاجين ما لا يطيقون، استغلالاً وارهاقاً، ولما فيه من الغبن لا حد المتبايعين، واستئثار الاخر، وفمن أخذ درهماً بدرهمين لا يرجى له خير، كالذي يفعل بقتيل قتيلين، والربا المقصود من وراء هذا المثل كثيرة ابوابه كما قال (صلى الله عليه وسلم):(الربا بضع وسبعون باباً ، والشرك مثل ذلك وهذا رأسه). 2- إن من يفعل الربا هو(مجنون) في الدنيا،قبل الآخرة.قال(البقاعي:(وهو مؤيد للمشاهدة،فإنا لم نر ولم نسمع قط آكل ربا ينطق بالحكمه، ولا يشهر بفضيلة، بل هم ادنى الناس وأدنسهم). وبذا تكون هذه علامة موسومة بذلك النفر، يعرف بها أينما حل،كي يتجنّبهم من رآهم على هذا الوصف البشع، المنهار بانسانيتهم، ومن كان بلا عقل، لا يعد من البشر، ولايحشر مثلهم، وهذا حال من طمع حتى استغزته رغبته، واضطربت اعضاؤه. قال(جعفر بن محمد الصادق)رحمه الله(حرم الله الربا ليقارض الناس) وقال غيه، حرّمه الله لانه متلفه للاموال مهلكة للناس). 3- الاشارة الى ان هناك صنفاً من الناس من يبيع آخرته بدنياه، وحلاله بحرامه، ويبيعه الحلال برباه المحرم، وهو معتقد في نفسه انه على حق وانه الصواب، بحيث يجعل من الاضداد حالة متساوية لا تجتمع الاعند مجنون، لذا حكى الله تعالى عنهم قالوا(إنما البيع مثل الربا) فليس هناك فرق بين البيع والربا فنهما واحد، لافرق بينهما سوى في اللفظ، حتى إن الله تعالى حكاه بهذه الصيغة، وظاهر السياق يقول: ان النظم هو(انما الربا مثك البيع) لان الكلام في الربا لا في البيع. ثم جاء الرد الحاسم ليقطع هذه الشبهة التي يظنون فقال(وأصل الله البيع وحرّم الربا). وبعد هذا تكون هذه الآية قد نظمت اصول حفظ مال الامة، فبعد ان ابتدأ باعظم تلك الاصول وهو تأسيس مال للامة به قوام امرها،يؤخذ من اهل الاموال أخذاً عدلا مما كان فضلاً عن الغنى، سواء ما كان مفروضاً او تطوعاً عطف الكلام على ابطال وسيلة كانت من اسباب ابتزاز الاغنياء لاموال المحتاجين، وهي المعاملة بالربا. وقال سبحانه في هذه الآية(فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ) ولم يقل (فمن جاءته موعظه) في اشارة الى المعنىوهو(الوعظ) فهذا من باب التأنيث المجازي، وقرأ (الحسن البصري)(فمن جاءته) بإثبات علامة التانيث.
|