| دراسة تحليلية   عدد القراء : 537   . الأمثال القرآنيـة عبد الرحمن فاضل الحلقة(8) بعد ان تحدث الباري سبحانه عن صنفي المنفقين وهما المراؤون والمؤمنون اتبعه بذكر مثل اخر عن حال المنفق المرائي وكيف يؤول مصيره الى العزلة والضعف والهوان فقال تعالى(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ). ما ذكر كان مناسبة المثل الذي تسلسل مرتبطا ذكره بما قبله من المثالين السابقين ليتعاضد المعنى حول موضوع واحد هو (الإنفاق ومصيره) قال المفسرون (هذا مثل ضربه تعالى لعمل المنافق والمرائي يقول عمله في حسنه كحسن الجنة كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة). ولنقف الان على المعنى قال تعالى:(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) الهمزة للإنكارأي: ما كان ينبغي ان يحب احدكم (ويود) مأخوذ من الود وهو حب الشيء مع تمنية (أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)اي: كائنة له هذه الجنة الجميلة ذات الاعناب والنخيل والانهار المارة من تحت اشجارها لكرم ارضها (لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ)اي: له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج قال القرطبي:(اي: يريد ليس شيء من الثمار الا وهو فيها نابت)وقال ابو السعود والبروسوي:(له رزق من كل الثمرات وليس المراد بالثمرات العموم بل انما هو التكثير كما قال تعالى:(وأوتيت من كل شيء)وقوله(واصابه الكبر)قيل اصابته الشيخوخة وكبر السن فضعف عن الكسب والواو هنا للحال اي قد اصابه الكبر. وقيل معطوف على تكون او على يود وقيل معطوف على المعنى كأنه قيل (ايود احدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر) ثم قال سبحانه(وله ذرية ضعفاء)اي: له ذرية صغار لايقدرون على الكسب والواو للحال ايضا(فأصابها اعصار)الاعصار: ريح عاصفة ترتفع وتستدير نحو السماء كانها عمود وهي التي يسميها الناس(زوبعة) قال الشاعر: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا وقيل سميت بذلك لانها تلف كما يلف الثوب المعصور وقيل سميت بذلك لانها تعصر السحاب والجمع(اعاصير)وهو من بين جميع اسماء الريح مذكًر ثم قال تعالى(فيه نار فاحترقت)اي:مع هذه الريح الشديدة نار احرقت الزرع فصارت الجنة خراباً وهذا تشبيه بليغ على شدة حر هذه الريح، ثم ختم الاية سبحانه بقوله(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون)اي: مثل ذاك البيان والتوضيح يبين الله الدلالات الواضحة في سائر امور الدين. قال ابن عباس (رضي الله عنهما): (تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها واقبال الاخرة وبقائها)قال الحرالي(فتبنون الامور على تثبيت لا خير في عبادة الا بتفكر كما ان الباني لابد ان يفكر في بنائه كما قال حكيم اول الفكرة اخر العمل واول العمل اخر الفكرة)وهذا الختام للاية هو تذييل لما سبق والمعنى كهذا البيان الذي يقرب المعقول بالمحسوس بين الله تعالى النصح لكم كي تتفكروا في العواقب حتى لا تكونوا على غفلة، وبهذا المعنى العام يتجلى المعنى الأسما والاكبر من هذا المثل الا وهو(الحسرة والندم)حين لا ينفع الندم وقتذاك، فان الانسان اذا كان له جنة في غاية الكمال وكان هو في نهاية الحاجة للمال مع وجود ذرية ضعيفة لا تنفع وأتاه اعصار فيه نار حرق كل شيء عمله في حياته وهكذا الانفاق فهو نظير الجنة يوم القيامة والرياء هو نظير الاعصار حين يكون الشخص بأشد حسرة وحيرة مالا يعلمها الا الله تعالى. وهذا من ابلغ التشبيه الموجود في القرآن فهذا الوصف الكثير المطنب في هذه الجنة ذات الاشجار المثمرة ذات الانهار الجارية زيادة في كرمها وطيب مناخها مع الوصف الدقيق لصاحبها فهو على اعلى درجات التمثيل والإظهار بما لايقبل اللبس ولايحتاج الى توضيح، لهذا ختمت الاية بقوله تعالى(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون)فهو البيان الذي ليس بعده بيان وما عليك يا انسان سوى اخذ العبرة والموعظة لعلك ترحم. قال الحسن (رحمه الله)(هذا مثل قل والله من يعقله شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه افقر ما كان الى جنته فجاءها الاعصار فاحرقها وان احدكم والله افقر ما يكون الى عمله اذا انقطعت عنه الدنيا). روى البخاري ان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سأل يوما اصحاب رسول الله (صلى الله عليه سلم) فيم ترون هذه الاية نزلت...الاية؟فقال بعضهم الله اعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم او لا نعلم. فقال ابن عباس (رضي الله عنهما) في نفسي منها شيء يا امير المؤمنين فقال عمر يا ابن اخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل قال عمر:اي عمل؟قال ابن عباس لعمل قال صدقت لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عز وجل اليه الشيطان لما فني عمره في المعاصي حتى احرق عمله. بعد هذا نستطيع ان نرى بوضوح فوائد هذا المثل متجلية بالاتي: 1-وجوب التزود بالعدة لما هو مقبل فكل ابن آدم مسافر عن هذه الحياة الدنيا ولا بد له من زاد حتى لا يخزى حين يرى غيره بزاد وهو جائع عطشان ضعيف الزاد والدنيا قنطرة الاخرة فاكثر العمل الصالح تفز وذلك هو الفوز العظيم. 2-ان الرياء والمن بالانفاق هو جرثومة خطيرة لاينفع معها علاج سوى التوبة منها عسى الله ان يغفرها فاحذرها فان الله تعالى قد سلط عليها الاضواء الكاشفة وبينها اشد بيان لمضرتها واذاها للفرد والمجتمع المسلم. 3-ان الانفاق عمل عظيم لايقل قدرا عن غيره من اعمال الدين بدلالة هذه الايات المتتاليات وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان الدين كل متكامل ونسيج متشابك لاتنفك عراه ولا تنفصل اواصره وبناه. وفيه اشارة الى ان هنالك اعمالا قد يراها الناس شيئا ضئيلا وهي عند الله عظيمة تحمل في طياتها دعوة لكل مخلص ان لايترك اي عمل من الدين سنة كان او فرضا واجباً او مندوبا وكما قيل(بذلوا ليحصًلوا وحصًلوا لينفصلوا وانفصلوا ليتصًلوا واتًصلوا ليصلوا). فائدة: خص الله تعالى ذكر شجرتي(النخيل والاعناب)كونهما اكرم الاشجار واكثرهما نفعا واحسنهما منظرا تغليبا لهما على غيرهما من الثمرات وكأن الجنة نشأت منهما فقط كما ان توالى حرف الفاء في قوله تعالى(فأصابها، فأحترقت...)يدل على سرعة وقوع الفعل اذ تختفي الحدود الزمنية هنا فما هي الا لحظات حتى تصبح الجنة من حال مزدهرة الى رميم وهباء بمجرد اصابة الاعصار وناره المحرقة كما ان الاطناب في ذكر هذه الاوصاف بشكل دقيق يوحي بتصوير هذه الحالة بانجع السبل كي تظل شاخصة في الاذهان لا تغيب رحمة بالعباد ومعالجة لما يصيبهم من امراض قلبية وروي عن ابي ذر (رضي الله عنه) انه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابا ذر جدد السفينة فان البحر عميق واكثر من الزاد فان السفر بعيد واقل من الحمولة فان الطريق مخوف وأخلص العمل فان الناقد بصير وقال سبحانه (ايود)ولم يقل(ايريد)؟ لان المعنى (يحب على وجه الثبوت والتمام) فذكر هنا بهذا اللفظ تبنيها على الإنكار التام والتغير البالغ الى الحد الذي لا مرتبة فوقه. وختاما حيث جاء في القرآن الكريم ذكر(النخل)فانه يدل على الشجرة كلها لانها منافع وحيثما ذكر(العنب)فالمراد الثمرات فقط لان اعظم منافعه في ثمرته دون باقيه.
|