| دراسة تحليلية   عدد القراء : 552   . الأمثال القرآنيـة عبد الرحمن فاضل الحلقة(7) ما زلنا معكم متواصلين والايات الكريمة التي تعنى بموضوع النفقة والانفاق والمنفقين والاجر المترتب على ذلك والاعمال المتلازمة مع هذا العمل يقول تعالى(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). في مناسبة هذه الاية قال الرازي رحمه الله (اعلم ان الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون مانا ومؤذيا ذكر مثل المؤمن الذي لايكون كذلك وهو هذه الاية وبين تعالى ان غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق امران احدهما مرضاة الله تعالى والفرض الثاني هو تثبيت النفس...) ولنأت الان الى تفصيل شرح كلمات هذا المثل. قال تعالى(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ)اي: مثل نفقات هؤلاء الذين يطلبون رضا الله( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ) اي: تصديقا من انفسهم بوعده بالثواب حين يلقونه وقال مجاهد والحسن انهم يثبتون اين يضعون صدقاتهم قال الحسن كان الرجل اذا هم بصدقة تثبت فاذا كان ذلك لله امضاه و ان خالطه شك امسك وقال الشعبي والسدي وقتادة وابن زيد وابو صالح معناه وتيقنا اي: ان نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الانفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا( كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ )الجنة: البستان الكثير الاشجار بحيث تستر الارض وهي ماخوذة من لفظ(الجن)وهو التستر ومنه يقال(جن الليل)والربوة المكان المرتفع واصلها من قولهم ربا الشيء يربو اذا ازداد وارتفع ومنه الرابية وكذا الدبر اذا اصابه نفس زائد في جوفه وايضا الربا لانه ياخذ الزيدة(اصابها وابل)اي: اصابها مطر غزير (فآتت اكلها ضعفين)اي: اخرجت ثمارها حبنية مضاعفة بسبب الوابل قال ابن عباس رضي الله عنهما (حملت في سنة من الريح ما يحمل غيرها في سنتين) فان لم يصبها وابل فطل اي: ان لم ينزل عليها المطر الخفيف او الندى لجودتها وكرم مبنتها ولطاقة هوائها فهي تنتج على كل حال. والعرب تقول(الطل احد المطرين)ثم ختمت الاية بقوله تعالى(والله بما تعملون بصير)اي: هو عالم سبح انه بكمية النفقات وكيفيتها والامور الباعثة عليها وانه تعالى مجاز عليها ان خيرا فخير وان شراً فشر فهو وعد ووعيد في آن واحد. بعد هذا الشرح يمكن ايجاز المعنى الاجمالي للمثل فقد شبه الحق سبحانه نفقات هؤلاء المؤمنين الذين يرجون ثواب الله ويخافون عقابه بنمو النبات لهذه الجنة الرابية العالية ذات الثمر الكثير الدائم بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلداً ويجوز ان يكون تشبيه حالهم من قبيل تشبيه قربهم من الله تعالى وحسن حالهم عنده بثمرة الجنة ويكون وجه الشبه(الزيادة) فمثل انفاق هؤلاء المؤمنين وبرهم كمثل جنة فيحاء في مرتفع من مكان ذي منظر ارق وثمر ازهى تتعاهده الشمس ويعالجه مناخ نقي فهو يعطي ثماره دوما فان لم يصبها مطر غزير كفاها الخفيف في رذاذه لان التربة مستعدة للانبات وكذا حال البر في موقعه والصدقة في موضعها. ونلاحظ الفرق الشاسع بين هذا التمثيل الذي قبله فالصورتان متقابلتان ولكن الامر هنا غيره هناك(جنة وحفنة تراب) فاذا كانت الحفنة هذه على صفوان فان الجنة على ربوة والوابل مشترك بينهما لكنه في تلك الصورة مع المرائي يمحا ويمحق وهنا مع المخلص المؤمن يربى ويخصب وفي الاول يصيب الوابل الصفوان فينكشف عن وجه كالح كالاذى وهنا يصيب الوابل الجنة فيتمزج بالتربة ويخرج اكلاً. قال الامام القشيري:(هذه ايات كثيرة ذكرها الله تعالى على وجهه ضرب المثل للمخلص والمنافق لمن انفق في سبيل الله ولمن انفق ماله في الباطل فهؤلاء يحصل لهم الشرف والخلف وهؤلاء لا يحصل لهم الا اتلرد في الحال وفي المآل الا التلف وهؤلاء ظل سعيهم مشكورا وهؤلاء يدعون ثبورا ويصلون سعيرا هؤلاء تركوا اعمالهم وتمنوا اموالهم وتعلو عند الله احوالهم وتكونت الوصلة مآلهم وهؤلاء حبطت اعمالهم وخسرت احوالهم وختم بالسوء آمالهم ويضاعف عليهم وبالهم). روى الطبري عند الربيع قوله في الاية قال هذا مثل ضرب الله تعالى لعمل المؤمن) اما اهم ارشادات المثل فهي كالاتي: اولاً: ان يكون الهدف من الانفاق ايا كان نوعه ومهما كثر كمه لله تعالى وحده ولاجل مرضاته وان ي وطن الفرد المسلم منا نفسه على مشاق التكليف ويروضها على بذل المال الذي هو شقيق الروح لتسهل عليه العبادة وذلك ان النفس لاثبات لها في موقف العبودية الا اذا صارت مقهورة بالمجاهدة فاذا بانفاق وبذل المال والروح حصل لها التثبيت لنفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبتها حقا. ثانياً: ان من يواظب على الانفاق مرة بعد اخرى ابتغاء وجه الله فقد حصل له من ذلك ملكة تظل ملازمة له طول عمره وتستقر في نفسه حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة رجع القلب الى خباب القدس لان تلك العبادة صارت كالخلق والروح فاتيان هذه الطاعة حبا لله يورث هذه الخصلة في النفس وبدأ يصير العبد كما قيل(غائبا حاضرا طاعنا مقيما) والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم ثالثاً: تشبيه هذه الاعمال من(النفقة الطيبة) باجمل الاوصاف من جنات ومطر وغيرها من الاوصاف الجميلة التي تبعث الحياة والامل في نفوس المنفقين فهم في روضات يحبرون في الدنيا ويوم القيامة حين ينالون الجزاء الاوفر الاحسن من لدن رب كريم. رابعاً: ان تكون هناك ثقة من المنفقة بالله تعالى في انه يقبل هذا العمل ما دام عن طيب نفس وخالصا فلا يخشى ولا يحزن فما دامت النية قوية والوجهة خالصة كان الثواب جزيلا كما ظن. خامساً: ان هذا التشبيه يدل على قوة ايمان كل شخص ودرجة حرارة اسلامه فكيف تكن يكن حالك واجرك عند الله ومن زاد الله عليه والله لايضيع اجر المحسنين. وبذا يكون هذا المثل بهذا الوصف الرباني لحال هؤلاء المنفقين قد اعطى دلالة ايحائية تتنقلب بمشاعر الانسان في الغبطة والسرور الى عالم روحي محض يحمل بين برديه جميع مقومات الرضا من الله كما ان لفظة ربوة تحمل صورة فريده لجمال الخليقة لتعطي الحياة قوة واستمرار كما ان قوله تعالى(والله بما تعملون بصير)يدل في لفظ بصير على دقة الملاحظة وشدة الرقابة والاحاطة الشاملة بجزئيات الامور وكلياتها فعمل الانسان منظور وهو دائما في رصد واعماله في احصاء. من الفوائد المستقاة من هذه الاية ما قيل ان المطر اوله رش ثم طش ثم طل ثم نضح ثم هطل ثم وبل. قال الرازي عن حرف الجر في قوله تعالى (وتثبيتا من انفسهم) قال فلهذا دخل فيه من التي هي للتبعيض والمعنى ان من بذل ماله لوجه فقد ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي تثبيتها كلها وختاما قال الثعاالبي وقوله تعالى الاية من اساليب الفصاحة القرآن انه يأتي فيه ذكر نقيض ما يتقدمه ذكره ليتبين حال التضاد بعرضها على الذهن. |