| الجنة في ظلال الاهتداء بالكتاب والسنة   عدد القراء : 496   . عبد المنعم البدراني الحلقة الثانية سادسا: قوله صلى الله عليه وسلم(الا اني أوتيت القرآن ومثله معه) فقوله اوتيت فبمعنى الوحي والتنزيل وقوله صلى الله عليه وسلم (ومثله معه) اي: السنة وبهذا الحديث استدل الامام الشافعي رحمه الله وغيره من اهل العلم على ان السنة توحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يوحى اليه القرآن وهن اك آيات عديدة تعضد هذا المعنى كما في قوله تعالى (َومَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وهذا عام في كل ما ينطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب او سنة يؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك(علمه شديد القوى)اي جبريل وهو رسول رب العالمين الى جميع الانبياء والمرسلين ينزل عليهم بالشرع والكتاب المبين. وفي الحديث الصحيح الذي رواه اهل السنن وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما انه قال يا رسول الله اني لاكتب عنك كل شيء فقال صلى الله عليه وسلم اكتب يا عبد الله فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه الا حقا) واشار بيده الكريمة الى(فيه) الشريف صلى الله عليه وسلم. ومما يؤيد ان السنة توحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يوحى اليه القرآن قوله تعالى مخاطبا ازواج النبي صلى الله عليه وسلم(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيرا)فايات الله هي القرآن والحكمة هي السنة. وقال الامام ابن القيم رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم (اوتيت الكتاب)اي القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم (ومثله معه) اي الوحي الباطن غير المتلو او تأويل الوحي الظاهر وبيناه بتعميم او تخيصيص وزيادة او نقص او احكاما ومواعظ وامثالا تماثل القرآن في وجوب العمل او في المقدار. قال البيهيقي هذا الحديث يحتمل وجهين: احدهما انه اوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أوتي من الظاهر الملتو. والثاني: ان معناه أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى واوتي مثله من البيان اي اذن له ان يبين ما في الكتاب فيعمم ويخصص وان يزيد عليه فيشرع ما ليس في الكتاب له ذكر فيكون في ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن. قال الخطابي: يحذر بذلك مخالفة السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس له ذكر في القرآن على ما ذهب اليه الخوارج والروافض من الفرق الضالة فانهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا. ومنه قوله تعالى(ويعلمهم الكتاب والحكمة) اي الكتاب والسنة وبما ان الكتاب والسنة توحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيا فلقد تعهد الله جل وعلا بحفظهما من التحريف او الزيادة او النقصان كما في قوله تعالى(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)والذكر هنا هو الكتاب والسنة فان الله تعالى قد ذكر القرآن بلفظة الذكر وذكر السنة بلفظة الذكر كذلك فاما وصف القرآن بالذكر فنحو قوله تعالى(ص والقرآن ذي الذكر) وغير ذلك كثير، واما وصف السنة بالذكر فلقد قال الله تعالى في سورة الطلاق (َاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). فقوله تعالى(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً)فالذكر هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود بذلك سنته صلى الله عليه وسلم. ويبين الله تعالى ان التقوى تستلزم العمل بالذكر المنزل كتابا وسنة وان اولي الالباب هم الذين يفعلون ذلك ويتفهمونه ويؤمنون به ويعملون به ثم بين الله تعالى ان الايمان بالذكر المنزل كتابا وسنة هو سبيل خروج المؤمنين من الظلمات الى النور ودون ذلك ضلال وتيه عن جادة الصواب والصراط المستقيم فقوله تعالى (ذكرا) في محل نصب على المفعولية وقوله تعالى:(رسولا)في محل نصب على البدلية، فالذكر هو الرسول اي سنته وهي منزلة من عند الله بدليل قوله(...قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً). وذكر الله تعالى في مطلع هاتين الايتين من سورة الطلاق صفتين عظيمتين الا وهما: الصفة الاولى: التقوى في قوله تعالى(فاتقوا الله)وهي اشارة منه جل وعلا الى ان تقواه تستلزم العمل بالشرعة المباركة كتابا وسنة وان غير المتقين هم الذين يفرقون بينهما وهو حال الكفار والمشركين الذين وصفهم الله تعالى في قوله(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً). فاهل التقوى هم الذين يؤمنون بالكتاب كله والكتاب مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لها ثلاث احوال. الحال الاول: ذكر الكتاب وحده للهداية والخير والفضيلة كما في قوله تعالى (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً). الحال الثاني: ذكر السنة وحدها للهداية والخير والفضيلة كما في قوله تعالى(وان تطيعوه تهتدوا)اي الرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وقوله تعالى(مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظا)،وقوله تعالى(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ)،وقوله تعالى(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)،وقوله جل وعلا(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)وقوله تعالى(َآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) وغير ذلك كثير. الحال الثالث: هو الامر بالاستهداء بالكتاب والسنة معا على حد سواء مثل قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)وقوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ)وقوله جل وعلا(َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ). وقوله جل وعلا(َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)فالتقدم بين يدي الله تعالى هو ان تقدم قولا على قوله او حكما على حكمه وشرعا على شرعه والتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ان تقدم قولا او امرا او نهيا او عقلا او عرفا او عادة او تقليدا او حكما على سنته الغراء فداه امي وابي وابي وروحي. فيجب على اهل الايمان والعلم والعمل ان لا يضربوا القرآن بعضه ببعض ولا يكونوا كاهل البدع والاهواء والذين في قلوبهم مرض ممن قال عنهم الله تعالى(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ). |