| دراسة تحليلية   عدد القراء : 555   . الأمثال القرآنيـة عبد الرحمن فاضل لحلقة(6) وصلنا واياكم اخوتي الكرام الى هذه الحلقة الجديدة من الامثال القرانية الكريمة حيث موضوع الإنفاق والبذل والعطاء، والإكرام الجليل في قدره العظيم لصاحبه، فبعد ان ذكر الله تعالى الذين ينفقون في سبيله ومن اجل مرضاته مدحهم بعد هذا بالأجر وإزالة الخوف عنهم ثم نبّه سبحانه على ان هناك داء عضالا وجرثومة خطيرة تفتت هذا العمل وتزيله بلا اجر وهذا الداء هو(المنّ بالصدقة). ثم ضرب سبحانه مثالين: الاول: (للمنفق المرائي الكافر بالله واليوم الاخر) من حيث بطلان عمله. والثاني: (بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ثم اصابه مطر)فهذان مثلان متداخلان في صورة واحدة قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). فيما ذكرت كان مناسبة المثل وجوه ولنأت الى شرح الفاظه قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ ) اي ان تمنوا على من احسنتم اليه بالقول(فعت لك كذا)والاذى هو ان يتطاول على المعطى له بان يقال له:(اني اعطيتك فما شكرت او انت لا تستحق ذلك) (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) اي :كالمرائي وهو الذي يريد من الناس رؤية اعماله(ولايؤمن بالله واليوم الاخر)اي: لايريد بنفقته رضى الله ولا ثواب الاخرة قال القرطبي (قال جمهور العلماء في هذه الاية ان الصدقة التي يعلم الله من صاحبها انه يمن او يؤذي بها فانها لاتقبل) والعرب تقول لما يمن به(من منّ بمعروفة سقط شكره ومن اعجب بعمله حبط اجره)وقال الشاعر: افسدت بالمنّ ما اسديت من حسن ليس الكريم اذا اسدى بمنان وقال ابو بكر الوراق: أحسن من كل حسن- في كل وقت وزمن صنيعة مربوبه- خالية من المنن وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل (فعلت اليك وفعلت فقال له اسكت فلا خير في المعروف اذا احصي) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال(اياكم والامتنان بالمعروف فانه يبطل الشكر ويمحق الاجر ثم تلا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى)...الاية ثم قال تعالى:(فمثله كمثل صفوان) اي:مثل المرائي وحالته كمثل الصخر الاملس الكبير(عليه التراب)عليه شيء من الترا ب يظنه الظان ارضا طيبة منبته(فأصابه وابل)الوابل:المطر الشديد الوقع الكبير القطر قال الاخفش ومنه قوله تعالى (فاخذناه اخذا وبيل)ا اي شديدا(فتركه صلدا) الصلد: الاملس الاجرد اليابس الذي ليس عليه شيء اصل،ا يقال حجر صلد وجبل صلد اذا كان براقا املس ويقال ارض صلدة اي لا تنبت شيئاً(لايقدرون على شيء مما كسبوا)اي لاينتفعون بما يفعلونه رياء ولا يجدون له ثوابا قطعا والجملة استثنائية كأنه قيل(ماذا يكون حالهم؟ فقيل لايقدرون ....الاية)وهنا قال تعالى(مما كسبوا) ولم يقل(مما انفقوا)لانهم قصدوا بنفقتهم الكسب الأجر وايضا قال سبحانه(لايقدرون)بالجمع في جين انه قال قبلها (الذي ينفق)بالإفراد والمراد بـ(لايقدرون)جنس هؤلاء المرائين، ثم قال عز وجل ختاما(والله لا يهدي القوم الكافرين)اي: لايهديهم الى طريق الخير والرشاد ما داموا مختارين لهذا العمل الباطل، وفيه تعريض بأن المن والاذى صفة الكافرين لذا ختمت الاية به. وهكذا يتضح مغزى هذا المثل بهذا الصورة القرانية التي قسمت الانفاق نوعين، نوع مقبول وهو من المؤمنين وغير مقبول وهو من الكافرين والمرائين والمانين، صورة محسوسة لكل امرء من خلال التشبيه بالحجر الاملس الذي كان عليه تراب طفيف(وهو عمل المرائي)فلما اصابه مطر شديد ازال عنه هذه التربة ولم يخرج نباتا ولم ينتج خيرا لان الكافر كالصفوان والتراب مثل لذلك الانفاق والوابل كالكفر الذي يحبط العمل فكما ان الوابل ازال التراب الذي وقع على الصفوان فكذا (المن)والأذى يكونان مبطلين لاجر الانفاق بعد حصوله. قال الفخر الرازي(واعلم ان هذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المان المؤذي ولعمل المنافق فان الناس يرون في الظاهر ان لهؤلاء اعمالا كما يرى التراب على الصفوان فاذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لانه تبين ان تلك الاعمال ما كانت لله تعالى كما اذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب). ويمكن ان نوجز اهم ارشادات هذا المثل بالاتي: 1-الحث على اخلاص النية في العمل لله تعالى وحده كي ننال الخير والبركة والا فلن ننال من عملنا سوى التعب والاذى وعض اصابع الندم حيث لا ينفع الندم؟ 2-ان من ينفق ماله رئاء الناس فهو اقرب للكفر والكافرين فهو لا يرجو ثوابا من الله يوم القيامة وبذلك شابه الكافرين بهذه الصفة كما انه شابه الحجر الصلد في عدم نفعه وضحالة قيمته. 3-ان اعمال العباد ذخائر لهم عند الله فمن عمل صالحا خالصا فقد طرح بذرا في ارض الجنة فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته ويجده وقت حاجته اليه حيث الناس هنالك باشد الحاجة الى(الهباءة)من العمل الخير كي ينجيهم من نار وقودها الناس والحجارة (ومن جد وجد ومن زرع حصد) فليجتهدج كل واحد منا في وضع خزين وفير وزرع كثير في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. بقي ان اشير الى لآلي هذا المثل التي يحار العقل في وصفها. فقد تكرر حرف(الفاء)في المثل في قوله تعالى(فمثله، فاصابه، فتركه)مما يضفي دلالة صويتة ذات مغزى كبير، فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب وهذا يعني توالي هذه الأنفعال من(الاصابة والترك والتشبيه)بشكل يصك الاسماع وبلا حاجز او مانع تعبيرا عن الخسران النهائي والحرمان المتواصل دفعة واحدة مع سرعة الوقوع وعدم الامهال في العذاب. وقدّم سبحانه (المن)على(الاذى)لكثرة وقوعه اخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال(لايدخل الجنة منان). اذن فقد ادى هذا المثل الكريم وظيفة دينية تجسدت في هذا النصائح الربانية الايمانية من(الانفاق الصادق في وجوه البّر الكثيرة وترك المراء والشرك في الاعمال)من خلال صورة فنية ممزوجة بالوان الخليقة الناصعة البراقة بعظمة الخالق. وختاما اقول حكي عن بعض العلماء انه قال(مثل من يعمل الطاعة للرئاء والسمعة)كمثل رجل خرج الى السوق وملأ كيسه حصى، فيقول له الناس ما أملأ كيس هذا الرجل؟! ولا منفعة له سوى مقالة الناس، فلو اراد ان يشتري به شيئا لا يعطى به شيئاً). |