| دراسة تحليلية   عدد القراء : 537   . الأمثال القرآنيـة عبد الرحمن فاضل وصلنا معكم اخوتي الى الحلقة الخامسة من امثالنا القرانية الكريمة ولا زلنا في صدد الكلام عن امثال البيئة المدنية والتوقف هذه المرة سيكون عند قوله تعالى(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) بدءا نذكر مناسبة نزول هذه الاية: لما بين الحق سبحا نه بالدليل القاطع الساطع ان القران كلامه عز وجل الذي لا يتطرأ اليه شك وانه كتاب معحز انزل على خاتم المرسلين وتحداهم ان ياتوا بسورة من مثله ذكر هنا شبهة اوردها الكفار للقدح فيه وهي(انه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل)وهذه الامور لايليق ذكرها بكلام الفصحاء فضلا عنه كلام رب الارباب فاجاب تعالى عن هذه الشبهة ورد عليهم بان اصغر هذه الاشياء لايقدح في فصاحة القرآن واعجازه اذا كان المثل مشتملا على حكم بالغة. بعد هذا لنأتي على التفسير لالفاظ هذا المثل قال تعالى(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا )الحياء/تغير وانكسار يعتري الانسان من خوف ما يعاب به ويندم والمراد به هنا(لازمه)هو (الترك)قال الزمخشري (اي لايترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي من ذكرها لحقارتها اي لايستنكف ولا يمتنع عن ان يضرب اي مثل كان باي شيء كان صغيرا او كبيرا (بعوضة)هو صغار البق سميت بعوضة كانها بعض البق (فما فوقها)قيل فيه فما دونها في الصغر وقيل فما هو ازيد منها كالذ باب والعنكبوت وهذه اللفظة من الاضداد في اللغة( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ )اي: اما المؤمنون فيعلمون ان الله حق لايقول غير الحق وان هذا المثل من قدرة الله( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً )اي: واما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون( ماذا اراد الله من ضرب الامثال بمثل هذه الاشياء الحقيرةثم قال تعالى ردا عليهم( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً )اي: يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به فيزيد اولئك ضلالة وهؤلاء هدى(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)اي: وما يضل بهذا المثل او بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله الجاحدين باياته. اما سبب نزول الاية كما قال المفسرون فهو(ان الله تعالى لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه العزيز وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله وما اراد بذكر هذه الاشياء الخسيسة؟ فنزلت) اذن فهذا المثل القرآني ضرب للكافرين الذين لا يرون الحق الا عندهم ولا يؤمنون بما ينزل الخالق الواحد من الايات الحكيمة فهم جاحدون مارقون في متاهات الضلال والشك والعمى ليس لهم بصر ولا بصيرة فاوضح الاشياء لايرونها وفي كل مرة يلقون بالتهم على الرسل والانبياء اما المؤمنون الصادقون الموحدون فيرون الاشياء كما هي بلا تحريف او تاويل او تعطيل بل بعطون كل ذي حق حقه واؤلئك هم المهتدون بنور الله(الكتاب والرسول). يقول الطبري(رحمه الله ):ان يضرب في الحق الامثال صغيرها وكبيرها ابتلاء بذلك عبادة واختبارا من ليميز اهل الايمان والتصديق به من اهل الضلال والكفر به) وعليه فالمؤمن ينظر الى الضارب وهو الحق تعالى ولا ينظر الى المضروب ايا كان لان فيه الخير مهما كا ن صغيرا او كبيرا فهو ممتثل لاوامره في السراء والضراء. وبهذا تتجسد مهمة التمثيل بهذه الكائنات المخلوقة في القران العظيم وهي اثبات الحق واعطاء الدليل وكشف البرهان وبهذه الجزئيات تثبت الكليات وحقارة الشيء الصغير لا يدركه الا الراسخون في العلم. قال الشيخ ابو منصور في تفسيره(الاعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى في الخلق الصغير الجسم اكثر منها في الكبار ا لعظام لان الخلائق لو اجتمعوا على تصويره صورة من نحو البعوض والذباب وتركيب ما يحتاج من الفم والانف والعين والرجل واليد ما قدروا عليه ولعلهم يقدرون على تصوير العظام من الاجسام الكبار منها فالبعوضة اعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو اعطيها الفيل الكبير)وحكي انه خطب المأمون فوقع الذباب على عينه فطرده فعاد مرارا حتى قطع عليه الخطبة فلما صلى احضر ابا هذيل شيخ البصريين فقال له لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبابرة قال صدقت. قال الامام القشيري( رحمه الله ) الخلق في التحقيق بالاضافة الى قدرة الخالق اقل من ذرة من الهباء في الهواء وسيان في قدرته العرش والبعوضة فلا خلق العرش عليه اعسر ولا خلق البعوضة عليه ايسر وسبحانه وتقدس عن طوق العسر واليسر من خلال ما مر ذكره نستطيع ايجاز اهم ارشادات هذا المثل بالاتي: 1-ان المؤمنين الموحدين يقرون بكل ما يأتيهم من ربهم فما عليهم سوى الطاعة لما يقول سبحانه ولما يفعل لا كحال الكافرين المعاندين. 2-التنبيه الى حكمة المثل بغض النظر عن المضروب صغيرا كان او كبيرا فعلى اللبيب الذي يريد الحق ان ينتبه ويعي الدرس من المثل ولا ينشغل بتوافه الامور وزخارفها وفيه اشارة لعدم تسفيه كلام الناس فكيف بكلام رب الناس. 3-توضيح ما عليه هؤلاء المعاندون الى ان الباطل اذا ظهر الحق لايغني شيئا ولو كثر وان على المرء العاقل ان يرعوي عن غيه اذا علم بطلانه وان لا تاخذه العزة بالاثم اذا وضح النهار وبان الصبح. 4-في هذا المثل دعوة لاستخدام العقل الذي به امتاز البشر عن باقي المخلوقات وعدم تعطيله ومن ثم يستولي عليهم الباطل واهله. (لطيفة )من بديع قوله تعالى في هذه الاية الكريمة انه قدم الاضلال على الهداية قال تعالى(يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا)حتى يكون اول ما يقرع اسماعهم من الجواب امرا فظيعا يسوؤهم ويفت في عضدهم ثم انه سبحانه استخدم صيغة المستقبل (يضل ويهدي)كي يعلم بان هذا الامر متجدد ومستمر. ختاما اقول ان هذا المثل القراني قد افاد فائدة عظيمة تمثلت في الاستدلال بمخلوق من مخلوقات الله تعالى العجيبة التي تستدعي من كل البشر ان يحكموا عقلهم في تفسير مدلولها ولا يركنوا الى هوى الشيطان والنفس نائين بانفسهم عن انسانيتهم التي ارادها الله تعالى لهم.
|