دراسة تحليلية   عدد القراء : 567   .
الأمثال القرآنيـة
عبد الرحمن فاضل
الحلقة(4)
وصلنا في هذه الحلقة معكم الى هذا المثل من سورة البقرة والذي يقول فيه تعالى:(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)وقبل ان نخوض في هدف هذا المثل لا بد اولا ان نقف عند معاني الفاظ ليتجلى واضحا غرضه:
يقول الله سبحانه بعد ان سفه اتباع الآباء والأجداد من قبل كفار قريش، وانجرارهم وراء كل ناعق أيا كان، ومن اي جهة جاء، ضرب مثلا لهذه الحالة المزرية المتدنية من الهبوط الانساني الذي وصل الى حد الهمجية في تعطيل العقل الالهي المبصر فقال سبحانه (ومثل الذين كفروا)اي مثل واعظ الكافرين، وهنا(الواعظ)وهو مضاف محذوف والمقصود به هنا الرسول صلى الله عليه وسلم(كمثل الذي ينعق)ينعق: يصيح يقال نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا اذا صاح بها وزجرها.
اي كمثل الراعي يصيح(بما لا يسمع) اي البهائم التي لا تدرك بالسماع(إلا دعاءً ونداءً) اي لاتسمع سوى صوتاً وزجراً من غير منهم: والنداء يختلف عن الدعاء فالنداء يكون مسموعا أما الدعاء فيكون مسموعا وقد لايسمع(صم)، اي هم صم وكانهم يتصاممون عند سماع الحق (بكم) بمنزلة الخرس في انهم لم يستجيبوا لما دعوا اليه (عمي) بمنزلة العمي من حيث اعراضهم عن الدلائل كانهم لم يشاهدوها (فهم لايعقلون) اي لا يكتسبون الحق لأن اكتسابه انما يكون بالنظر والإستدلال، وليس المراد هنا نفي اصل العقل بل نفي الإنتفاع به.
وبعد هذا يتضح المغزى من ضرب هذا المثل لهؤلاء الكافرين، ولمن سبقهم، ومن خلفهم ولكل متعظ من ان مثل هؤلاء القوم الكافرين في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم الى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمة ويزجرها وهي تسمع الصوت والنداء ولكن دون فهم للمراد منه فهؤلاء الكافرون كهذه الدواب السارحة لايفهمون ما تدعوهم اليه يا محمد، ولا يفقهون يسمعون القرآن ويصمون عنه الاذان فهم(صم عن سماع الحق بكم عن النطق به عمي عن رؤيته فهم في الضلال يتخبطون كالانعام بل هم اضل كما قال تعالى في موضع اخر(هم الا كالانعا م بل هم اضل).
قال ابن القيم رحمه الله (هذه الاية لك انه تجعل هذا التشبيه مركباً وانه تجعله من التشبيه المفرق، ثم يوضح هذين التشبيهين بقوله(فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفارين في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء وان جعلته من التشبيه المفرق فالذين كفروا بمنزلة البهائم ودعاء داعيهم الى الطريق بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم الى الهدى بمنزلة النعق، وادراكهم مجرد الدعاء والنداء كادراك البهائم مجرد صوت الناعق والله اعلم).
اذن فقد بين هذا المثل القرآني هذه الخصلة المذمومة ومن تخلق بها، بل هذا الامر الشنيع المتمثل بترك الحق واتباع الباطل بلا دليل هادي، وبلا عقل، وبلا كل نداء ينادي، حتى إن مثلهم صار كالأنعام التي ليس لها في الحياة هدف سوى الاكل والشرب والجماع، فقد عطلوا العقل وتركوه خلف ظهورهم، فضلوا واضلوا والنار مثواهم لم يعد لهم اي نفع.
ويمكن ان نجمل اهم فوائد وارشادات هذا المثل بالاتي:
اولاً: الحث على استخدام العقل(هذه النعمة العظيمة والموهبة الجليلة)في تفسير الصحيح من الفاسد والخطأ من الصواب والحق من الباطل فهو المخاطب بلتكليف والبشر به يتميزون والا سيكونون كالدواب ان لم يكونواً أضل.
ثانيا:استخدام كل الحواس التي وهبها الله للبشر في معرفة الهدى لا فقط في الاستخدامات المادية الاخرى، من الاكل والشرب والمشي والضرب وغيرها، وحتى لايغلقوا منافذ التعقل هذه في النظر فيما حولهم.
ثالثاً: نبذ التقليد الاعمى الذي لايقوم على اساس من الصحة والحق والبرهان وتنبيه الخلق اجمعين الى ان يدوروا مع الحق حيث دار لا مع الاباء والاجداد وسيّء الافكار مهما تعددت طرقها وتلونت اشكالها وكثر اتباع ومهما قل ابتاع الخير وحده وتغرب فهو المنتصر الباقي.
رابعا:هناك اناس ارادوا لانفسهم ان يصطفوا مع صنف البهائم متنازلين عن آدميتهم بثمن بخس، وبذلك رضوا ان يكونوا مجرد تراب يسير على الارض بلا نفحة سماوية ربانية، فانت يا انسان مجموع هذين العنصرين فانتبه لذلك ولا تضيعه فتخسر كل شيء وفي هذا تمييز للمؤمن العاقل من الكافر الضال.
وبهذا يكون هذا المثل قد أدى وظيفة عقلية تجسدت في تعرية الباطل من خلال دعوته الى استخدام العقل وتمحيص النظر واجاله الفكر ،فهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي لا تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته وليس في هذا السماع سوى التقليد الاعمى دون تمييز وادراك عقلي لمضامينه وانما هو أزيز ودوي، وهذا حال المعاند المقلد أيا كان ومن اي الانساب جاء واي القوة بلغ واي العلوم حصّل فهو كالبهيمة في اللاتفكير وعدم الاستدلال وانما محاكاة الحذو بالحذو.
فلا تكن اخي المؤمن كحال هذا في تعطيل عقلك عما خلق له من الارشاد والاهتداء وأنت تنظر وتعقل وتتفكر وتتدبر كل ما حولك فانت في نور فلا تجعل التقليد الخاسر يهوي بك الى مدارك الضلال والكفر والعياذ بالله.
فقد اعطيت المحجة البيضاء لا يزيغ عنها الا هالك (كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم) فاحرص عليها تعز، واحمد الله انك من هذه الامة المحمدية الها دية المهدية الشافعة المشفعة الوسطى (وخير الامور اوساطها).
وفي الختام: اجعل نصب عينيك هذه الامثال المضروبة لك فتدبر ما بها   فهي خير آمر وخير ناه، واضربها لكل من يستحقه وتمثل بها في حياتك.
وختاماً اقول: لكل مثل سياقه الذي يسير معه جنبا الى جنب من اجل ربط الالفاظ والكلمات وتشكيل الجمل التي تتم المعنى المراد، وهنا نلحظ في هذا المثل كيف جاء في موقعه المراد حيث الكفر والالحاد والتقليد الاعمى للمواريث الباطلة ونبذ العقل فجاءت هذه الاية الماثلة لتشخصّ لنا هذا الداء العضال وتنفر منه اشد التنفير بوصف لا يليق بإنسانية البشر في الوقت الذي يذكر فيه اهل الايمان والبصيرة بهذه النعمة التي عميت على هؤلاء الجامدين لتكتمل الصورة وفي ذلك ذكرى للذاكرين.