لغـــة القــرآن   عدد القراء : 562   .


الحلقـــة(4)
ليث سلمان الآلوسي... …
ولقد صرّفنا في هذا القرآن من كل مثل وكان الانسان أكثر شيءٍ جدلاً)
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: نشرع اليوم على بركة الله دراسة مطلع سورة البقرة . . من قوله تعالى:
(الم . . . الى قوله تعالى هم المفلحون لغة واعرابا وتفسيراً وبلاغة
لغة / الم / الحروف التي ابتدىء بها كثير من السور هي على الارجح اسماء للسور المبتدأة بها، أما ماهيتها والحكمة منها فقد اختلفت في ذلك الآراء حتى ليتعذر بل يستحيل على الباحث ان يستوفيها ويمكننا ان نصنف هذه الآراء الى صنفين:
1-انها من المتشابه الذي نفوض الآمر فيه الى الله تعالى ويسعنا في ذلك ما وسع صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتابعيهم حيث قالوا ليس من الدين في شيء ان يتنطّع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل التي قلّما يسلم مخترعها من الزّلل.
2-إنها كغيرها من الكلام الوارد في القرآن فيجب ان نتكلم بها ونسبر اغوارها ونكتنه المعاني المندرجة في طياتها عملاً بقوله تعالى(أفلا يتدّبرون القرآن).
وعلى هذا الرأي نرجّح ان معناها التحدي والارهاص بأن هذا القرآن مؤلف من الحروف نفسها التي ينظم بها العرب اشعارهم ويؤلفون خطبهم واسجاعهم وهم مع ذلك عاجزون عن الاتيان بمثله أو محاكاته وهذا تفسير يتمشّى مع اعجاز القرآن الذي تميز به. وبالخلاصة فالعلماء تعبوا كثيراً في فهم المقصود من هذه الحروف. وقد وردت هذه الحروف في تسع وعشرين سورة كلها من العهد المكّي الا اوائل سورتي البقرة وآل عمران فقد وردت في العهد المدني وجملة الحروف التي تكررت في هذه الاوائل اربعة عشر حرفاً.
وقال آخرون في هذا الاتجاه، انما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع انه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في كشافه ونصره اتم نصر واليه ذهب شيخ الاسلام ابن تيمية والشيخ الحافظ ابو الحجاج المزي.
قال الزمخشري، (ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وانما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح من اماكن وجاء منها على حرف واحد كقوله (ص،ن،ق) وحرفين مثل (حم) وثلاثة مثل (الم) واربعة مثل (المر و المص) وخمسة مثل (كهيعص) و (حم - عسق) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلابد ان يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان اعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة كما تقدم يقول تعالى :(الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه)(الم، الله لا اله الا هو الحي القيوم، نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه)(المص، كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه)(الر، كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور باذن ربّهم)(الم، تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)(حم، عسق، كذلك يوحي اليك والى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم.
وللسيوطي في كتابه الاتقان رأي يؤيد ما ذهبنا اليه اذ يقول : انه اُريد مفاجأة العرب وهم اهل الفصاحة والبلاغة برموز واشارات لا عهد لهم بها ليزداد التفاتهم وتتنبه أذهانهم ونفوسهم.
ريب/ الريب الشك وقلق النفس واضطرابها وفي الحديث (دع ما يريبك الى ما لا يريبك) هذا وللريب في اللغة ثلاثة معان:
احدها: الشك وهو المراد هنا وثانيهما : التهمة قال جميل:
      بثينةُ قالت : يا جميل أربتني
       فقلتُ : كلانا يا بثنُ مريب
وثالثها : الحاجة قال:
      قضيْنا في تِهامة كلّ ريبٍ 
      وخَيْبَرَ ثمّ أجمْمنا السُّيوفا
يُنفقون/ نفق الشيء ونفد بمعنى واحد وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء دل على معنى النفاد والخروج والذهاب يُقال : نفث الشيء من فيه أي رمى به ونفث في العقد ونفق الحمار : مات.
المفلحون الفائزون ببغيتهم، الذين انفتحت امامهم وجوه الظفر وكل ما جاء ممّا فاؤه فاء وعينه لام دل على معنى الانفتاح والشق نحو فلق وفلح.
الاعراب (الم) / كلمة اريد لفظها دون معناها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي : هذه ألم. (ذلك) اسم اشارة في محل رفع مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب. (الكتاب) خبر ذلك وهو أولى من جعله بدلاً من اسم الاشارة لأنه قصد به الاخبار بأنه الكتاب المقدس المستحق لهذا الاسم تدعيماً للتحدي والجملة ابتدائية لا محل لها من الاعراب على انه يجوز جعله بدلاً من اسم الاشارة فتكون جملة لا ريب فيه خبراً لاسم اشارة. ( لا ريب فيه) لا نافية للجنس وريب اسمها المبنيّ على الفتح في محل نصب اسم لا. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها والجملة خبر لذلك أو حال من الكتاب. (هُدىً) خبر ثالث لذلك (للمتقين) جار ومجرور متعلقان بهدى لأنه مصدر. (الذين) اسم موصول في محل جر صفة للمتقين. (يؤمنون) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لانه من الافعال الخمسة. والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (بالغيب) جار ومجرور متعلقان بيؤمنون (ويقيمون) الجملة عطف على جملة يؤمنون داخلة في حيّز الصلة (الصلاة) مفعول به (ومّما) الواو حرف عطف، مما جار ومجرور متعلقان بيُنفقون (رزقناهم) فعل ماض وفاعل ومفعول به وجملة رزقناهم لا محل لها من الاعراب صلة ما. والعائد محذوف أي: رزقناهم أياه.(ينفقون) فعل مضارع معطوف على يقيمون داخل في حيز الصلة أيضاً. (والذين) الواو حرف عطف. واسم الموصول معطوف على الموصول الاول مندرج معه في سلك المتقين. (يؤمنون) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة لا محل لها من الاعراب لانها صلة الموصول. (بما) الجار والمجرور متعلقان بيؤمنون (أنزل) فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعودعلى ما، أي: القرآن، والجملة لا محل لها من الاعراب لانها صلة الموصول (اليك) جار ومجرور متعلقان بأنزل. (وما) الواو حرف عطف وما عطف على بما أُنزل اليك وجملة (أُنزل) لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. (من قبلك) جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال. (وبالآخرة) الواو حرف عطف والجار والمجرور متعلقان بيوقنون. (هم) ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ. (يوقنون) فعل مضارع مرفوع والواو فاعلة والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية. وهي (ومما رزقناهم ينفقون).
(اولئك) اسم اشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ والكاف للخطاب (على هدىً) جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر اولئك. (من ربّهم) جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لهدى والجملة استئنافية لا محل لها (واولئك هم) اولئك مبتدأ و(هم) ضمير فصل لا محل له (المفلحون) خبر اولئك ولك ان تعرب (هم) مبتدأ و(المفلحون) خبره والجملة الاسمية خبر اولئك.
البلاغة/ في هذه الآيات فنون عديدة نوردها كما يلي
1-في تعريف الكتاب بالألف واللام تفخيم لأمره وهو في الأصل مصدر قال تعالى : ? كتاب الله عليكم ).
2-التقديم/ قدم الريب على الجار والمجرور، لانه أولى بالذكر من جهة واستعداداً لتجسيد صورته امام السامع من جهة اخرى.
3-وضع المصدر (هدى) موضع الوصف المشتق الذي هوهاد، وذلك أوغل في التعبير عن ديمومته واستمراره.
4-المجاز المرسل في قوله (هدى للمتقين) وعلاقته اعتبار ما يؤول اليه أمر المتلقي أي الصائرون الى التقوى.
5-الاستعارة التصريحية التبعية في قوله تعالى :(على هدىً )تشبيهاً لحال المتقين بحال من اعتلى صهوة جواده، فحذف المشبه واستعيرت كلمة على الدالة على الاستعلاء لبيان ان شيئاً تفوق واستعلى حقيقة نحو زيد على السطح أو حكماً على زيدٍ دينٌ . . . والدقة فيه ان الاستعارة بالحرف.
ومثلها قول الشاعر:
      لسنا وان احْسابنا كَرُمت
       يوماً على الآباء نتكّلُ
6-التكرار في قوله تعالى : (يؤمنون بالغيب )(يؤمنون بما أُنزل اليك ? وفي تكرار اسم الموصول وان كان الموصوف واحداً وقد يكون الموصوف مختلقاً فهو تكرار للفظ دون المعنى وفائدته الترسيخ في الذهن والتأثير في العاطفة.
7-الحذف في قوله (الم) اي : هذه الم و(هدى) اي : هو هدى فحذف المبتدأ وفي قوله (ينفقون) اي : المال فحذف المفعول به.
صور سريعة متلاحقة للاعجاز القرآني في بلاغة لغوية تحاشت التكرار من           جهة وتجنبت ذكر المتبادر الى الذهن من جهة اخرى. على ان الانفاق في سبيل   المحامد والمأثر كان يستهوي نفوس شعراء العرب.
وما أجمل قول دعبل:
قالت سلامة : اين المالُ؟ قلت لها : 
المالُ - ويحك - لاقى الحمد فاصطحبا
8-حسن التقسيم/ وهو فن من فنون البلاغة فحواه استيعاب المتكلم جميع اقسام المعنى الذي هو متحدث فيه بحيث لا يغادر منه شيئاً فقد استوعبت هذه الآيات جميع الاوصاف المحمودة والعبادات التي يعكف عليها المؤمنون لان العبادات كلها تنحصر في نوعين بدنية ومالية ولا بد من استيفائهما لتكون العبادات كلها مقبولة. هذا بعض ما جاء في دراسة هذه الآيات مما فتح الله على علمائنا رحمهم الله وما نحن إلا عيالٌ عليهم والى لقاء أخر نستودعكم الله والسلام عليكم.