دراسة تحليلية   عدد القراء : 568   .
الأمثال القرآنيـــة
عبد الرحمن فاضل
الحلقة(3)
كنا قد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بيئتي الأمثال(المكية)و(المدنية) وقلنا إن لكل من هاتين البيئتين طابعهما الخاص.ومثلنا الأول الذي سنبدأ بشرحه في هذه الحلقة-بعون الله تعالى- هو من البيئة المدنية يقول تعالى:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بالكافرين). وهو في الحقيقة(مثالان) في مثال واحد، ويسمى هذا النوع في علم البلاغة العربية(التشبيه التمثيلي)..........
من ابرز القضايا التي دار حولها هذا المثل قضية(النفاق) والمنافقين. وهو من أروع الأمثلة والصور المضروبة في تشبيه أحوال هؤلاء النفر المتذبذب المتخبط في حياته، والذي ارتضى لنفسه أن يكون ذي وجهين. ولنقف الأن على تفسير ألفاظه، ثم نأتي على المعنى الإجمالي العام.
قال تعالى:(مثلهم كمثل الذي أستوقد ناراً) أي: مثلهم في نفاقهم، وحالهم العجيبة كحال شخص اوقد ناراً ليستدفئ بها، ويستضيء بنورها(فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) أي: فلما أنارت المكان الذي حوله فأبصر وأمن واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة ذهب الله بنورهم أي: اطفأها بالكلية،فتلاشى النور والنار.(وتركهم في ظلمات لا يبصرون)أي: أبقاهم في ظلام كثيف، وخوف شديد يتخبطون فيها فهم(صم) كالصم لايسمعون خيراً(بكم) كالخرس لايتكلمون بما ينفعهم(عمي) كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله(فهم لا يرجعون) أي: لا يرجعون عمّا هم فيه من الغي والضلال.
يقول الحافظ ابن كثير(رحمه الله):(ضرب الله للمنافقين هذا المثل، فشبّههم في اشترانهم الضلال بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، واستأنس بها، وأبصر ما عن يمينه وشماله... فبينا هو كذلك اذ أطفئت ناره، وصار في ظلام شديد لا يبصر ولايهتدي. فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلال عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغيّ عن الرشد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا،ولذلك ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات الشك والنفاق والكفر لا يهتدون إلى سبيل الخير ولا يعرفون طريق النجاة).-هذا هو المثل الأول.
أمل المثل الثاني فهو قوله تعالى:(أو كصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) الصيب: هو المطر الشديد والمعنى: أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قوم أصابهم مطر شديد أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء مصحوبة بالبرق والصواعق(يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق خذر الموت)أي: يضعون رؤوس أصابعهم، لا كلها لدفع حطر الصواعق وذلك من فرط دهشتهم وفزعهم، يظنون بذلك النجاة من الموت، لكن(والله محيط بالكافرين) هذه جملة اعتراضية للدلالة على أن الله تعالى محيط بقدرته بهؤلاء، وهم تحت مشيئته لا يفوتونه، كمثل الذي لا يفوت من أحاط به الأعداء من كل جانب (يكاد البرق يخطف ابصارهم) أي:يقترب البرق لشدته، وقوته، وكثرة لمعانه ان يأحذ أبصارهم بسرعة(كلما اضاء لهم مشوا فيه) أي: كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه(وإذا أظلم عليهم قاموا)واذا اختفى البرق وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم... وفي هذا تصوير لما هم فيه من غاية التحير والجهل؟ فبمجرد(لمعة)البرق يخطون خطوة كي لا يقعوا!!.
(ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) أي: لو أراد سبحانه لزاد في قصف الرعد،فأصمّهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق، فأعماهم بأبصارهم(إن الله على كل شيء قدير) فهو الذي لا يعجزه شيء، ولا أحد في السموات والأرض . قال الإمام الطبري(رحمة الله)(وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم انه بهم محيط، وعلى إذهاب اسماعهم وأبضارهم قادر).
(نكتة)قال ابن القيم(رحمة الله):(تأمل قوله تعالى: ذهب الله بنورهم- ولم يقل(بنارهم) مع أنه مقتضى السياق، ليطابق اول الآية (استوقد ناراً) فإن النار فيها- إشراق وإحراق،فذهب الله بما فيها من الإشراق(وهو النور) وأبقى ما فيها من الإحراق(وهو النارية) وتأمل كيف قال:(بنورهم) ولم يقل (بضوئهم) لأن الضوء زيادة في النور... وتأمل كيف قال (ذهب الله بنورهم) حيث وحّد النور ثم قال(وتركهم في ظلمات) وجمع الظلام وذلك لأن الحق واحد وهو الصراط المستقيم بخلاف الباطل فطرقه متعددة؟!.
وهكذا نجد من خلال هذين المثلين المتحدين في صورة واحدة دلالة واضحة على شخصية أولئك المنافقين، المتخبطين في متاهات الضلال، ودياجير العمى، حتى انطمست عليهم طرق الهدى وسبل الرشاد كمن أستضاء بنار فانطفأت عنه،واحاطت به الظلمات وبقي متحيراً.
إن المنافقين حينما يفتح الإسلام لهم رحابه، فيحقن دماءهم، ويصون أموالهم، يجحدون النعمة، ويفرطون بتلك الفرصة. قال ابن عباس (رضي الله عنهما)(هذا مثل ضربه الله للمنافقين، أنهم كانوا يغترون بالإسلام،فينا كحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقا سمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار الضوء).
وبهذا اكتفى المنافقون بالاسم عن المضمون دون هدي وانتفاع. وهذا كله يصّوره هذا المشهد العظيم لهذه الثلّة الضالة الحانقة على الإيمان المتمسكة بحياة زائلة، كيف سلط الله عليهم الأضواء الكاشفة لبيان فزاعهم وحيرتهم، ورجعتهم الى ظلمات، حتى انحجب عنهم الضياء تماماً فأين يذهبون؟ هذا هو شأنهم في التأرجح بين الأيمان والبراءة منه فهم على طرفي نقيض اذا اصابهم فتح في الإسلام تلبسوا بالدين، وان أصابهم البلاء فروا من الدين،ولم ينتفعوا بهذا النور الهادي الذي بزغ على العالم كله بسبب محمد(صلى الله عليه وسلم) والقرآن.
نستلخص من هذا المثل عدة أمور هي:
1- التذكير، والنصح ما استطعنا لذلك سبيلاً لعل الذكرى تنفع، فمن مقتضيات رحمة الله تعالى السعي والبذل لأخر ساعة لمن ضل السراط المستقيم.
2- توضيح الفرق الكبير بين (الإيمان)و(النفاق) كي لا يتعسر على كل ذي لب أن يمّيز بينهما من افراد المجتمع، فهم ينكررون زماناً ومكاناً ، فعلينا ان نبصر ذلك، ولا نخلط  بين الخير والشر ومن لم يفهم ووقع في مكر المنافقين او دافع عنهم فلا يلومن الا نفسه.
3- تنبيه المنافقين الى أن وعود الله المقطوعة هي للمؤمنين بصدق قلوبهم، وعلمهم، وليست للذين يعدون على المسلمين(اسماً) و(ظاهراً).