لغــة القرآن   عدد القراء : 607   .
ليث سلمان الألوسي
الحلقة(3)
وهذا كتاب مصّدقٌ لساناً عربياً ليُنذرَ الذين ظلموا وبُشرى للمحسنين
بسم الله والصلاة على رسول الله وبعد:
فها نحن نشرع بأذن الله في دراسة فاتحة الكتاب (سورة الحمد) لنقف على اسرارها ولغتها والفاظها ومقاصدها وإعرابها..
سورة الفاتحة مكيّة وآياتها سبع بالاجماع وتسمى (الفاتحة) لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث انها أول القرآن في الترتيب لا في النزول. وهي على قصرها ووجازتها قد حوت معاني القرآن واشتملت على مقاصده الاساسية بالاجمال فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة والعبادة والتشريع والاعتقاد باليوم الآخر والايمان بصفات الله الحسنى وافراده بالعبادة والاستعانة والدعاء والتوجه اليه بطلب الهدايه الى الدين الحق والصراط المستقيم والتثبيت على الايمان ونهج سبيل الصالحين وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين.
سميت الفاتحة وام الكتاب والسبع المثاني والشافية والوافية والكافية والحمد. وقد عددها القرطبي اثنى عشر اسماً. وقيل سميت ام الكتاب لأن في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر:
      نصبنا أمناً حتى انذعروّا  
        وصاروا بعد ألفتهم سلالا
فسميت بام الكتاب لأن مفزع اهل الايمان الى هذه السورة كما ان مفزع العسكر الى الراية.
المعنى/ الحمد والمدح أخوان وهو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها. والشكر الثناء على النعمة خاصة فبينهما عموم وخصوص. (ربّ) الرب المالك ويجوز ان يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل ولم يطلقوا الرب الا في الله وحده وهو في غيره على التقيد بالاضافة ? ارجع الى ربك ? يوسف. ? انه ربي أحسن مثواي ? يوسف. وقيل ربّ الدار. والمربي، الذي يسوس من يربيه، فهو اسم فاعل حذفت ألفه كما قيل بارّ وبَرّ. (العالمين) جمع عالم بفتح اللام جمع المذكر السالم العاقل تغليباً والمراد به جميع الكائنات، ولذلك أدرجه النحاة فيما الحق بجمع المذكر السالم النكته فيه : ان هذا اللفظ لا يطلق عند العرب على كل كائن موجود كالحجر والتراب وانما يطلقونه على كل جملة متمايزة لافرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه وان لم تكن منه فيقال : عالم الانسان عالم الحيوان عالم النبات والعالم لا واحد له من لفظه ولا من غير لفظه.
مالك يوم الدين : قرىء ملك يوم الدين ومالك.
وملك : هو الاختيار لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله ? لمن الملك اليوم ? غافر، ولقوله ? ملك الناس ? الناس، ولأن المُلك يعم والمِلك يخص ويوم الدين / يوم الجزاء. ومنه قولهم  كما تدين تُدان وبيت الحماسة:
       ولم يبق سوى العُدوانِ
                              دِناّهم كما دانوا
والدّين ايضاً الطاعة كقوله تعالى(في دين الملك) والدين ايضاً الملّة كقول الشاعر:
        تقول اذا دَرَأْتُ لها وَضيني
   أهذا دينُه أبداً وديني؟
        ايّاك نعبدُ واياك نستعين:
إياّ : ضمير منفصل للمنصوب واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك إياك، إياّه، إيّاي لبيان الخطاب والغيبة والمتكلم ولا محل لها من الاعراب، كما لا محل للكاف في أرأيتك. وتقديم المفعول لقصد الاختصاص كقوله تعالى(قل أفغيرَ الله تأمروني أعبد)، قل أغير الله أبغي ربّاً ؟. والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة. وقرىء : وهيّاك بقلب الهمزة هاء وهي شاذة .
قال طفيل الغنوي:
      فهيّاك والأمر الذي انْ تراحبتْ
                  مواردُهُ ضاقت عليك مصادرهُ
والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل ولذلك لم تستعمل الا في الخضوع لله تعالى. لانه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع فإن قلت : لم عدل عن لفظ الغيبة الى لفظ الخطاب؟ قلت هذا يسمى الالتفاف في علم البيان قد يكون من الغيبة الى الخطاب ومن الخطاب الى الغيبة ومنها الى التكلم كقوله تعالى(حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم). وقوله تعالى:(والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسُقناه).
والكلام اذا نقل من أسلوب الى أسلوب كأن ذلك تطرية لنشاط السامع وايقاظاً للاصغاء اليه من اجرائه على اسلوب واحد.
الصراط : الطريق الواضح والمنهاج قال جرير:
       أمير المؤمنين على صراطٍ
        اذا اعوجّ المواردُ مستقيمِ
وفي الصراط اربع لغات - السراط بالسين من سرط الشيء اذا بلعه والصراط بالصاد وبالزاي خالصة وباشمام الصاد الزاي، كل هذه اللغات قد قُرىء بها ويذكر ويؤنث وتذكيره اكثر.
الاعراب / الحمدُ: مبتدأ، لله : جار ومجرور بمحذوف خبر، ربّ : صفة لله أو بدل منه، العالمين : مضاف اليه مجرور علامة جره الياء نيابة عن الكسرة ملحق بجمع المذكر السالم. الرحمن الرحيم : صفتان لله تعالى ايضاً، مالك : صفة رابعة لله، وقرىء ملك وجمع الملك املاك وملوك وجمع المالك ملاك ومالكون، يوم الدين : مضاف اليه، إياك : ضمير منفصل في محل نصب مفعول به مقّدم للاختصاص، نعبدُ : فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن، واياك نستعين : عطف على اياك نعبد، ونستعين: فعل مضارع وهو معتل أجوف والاصل فيه نستعون فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت الى العين فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها فصار نستعين. اهدنا : فعل امر مبني على حذف العلة وهو هنا بمعنى الدعاء، ونا : ضمير متصل في محل نصب مفعول به وفاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره انت. الصراط : مفعول به ثان او منصوب بنزع الخافض لأن هدى لا تتعدى الا الى مفعول به واحد وتتعدى الى الثاني (باللام) كقوله تعالى(يهدي للتي هي أقوم)او بـ (الى) كقوله تعالى :(وانك لتهدي الى صراط مستقيم)الشورى، ولكن غلب عليها الاتساع فعدّاها بعضهم الى اثنين.
المستقيم / صفة للصراط وهو معتل وعين الفعل فيه واو الاصل مستقوم فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت الى القاف وقلبت الواو ياء. صراط : بدل مطابق من الصراط. الذين : اسم موصول مضاف اليه. انعمت : فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل. وجملة انعمت لا محل لها من الاعراب صلة الموصول. عليهم : جار ومجرور متعلقان بأنعمت. غير : بدل من الضمير في عليهم أو نعت للذين. المغضوب : مضاف اليه. عليهم : جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل للمغضوب لانه اسم مفعول. ولا : الواو حرف عطف  ولا: زائدة لتأكيد معنى النفي. الضالين : معطوفة على المغضوب عليهم مجرور.
بلاغة السورة:
1-جملة الحمد لله خبر، لكنها استعملت لانشاء الحمد والجملة الاسمية تفيد ديمومة الحمد واستمراره وثباته.
2-قوله تعالى : (اياك نعبد واياك نستعين ? فن التقديم، فقد قدم الضمير لحصر العبادة والاستعانة بالله وحده وقدمت العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة ثمرة العبادة، واعادة (اياك) مع الفعل الثاني تفيد ان العبادة والاستعانة مقصود بالذات فلا يستلزم كل منها الآخر.
3-وفي قوله (لله) فن الاختصاص للدلالة على ان الحمد كل الحمد مختص به. وكذلك بالاضافة في قوله (مالك يوم الدين) لزوال المالكين والاملاك عن سواه في ذلك اليوم.
4-تلاحظ فن الالتفات من لفظ الغيبة الى لفظ الخطاب ومن لفظ الخطاب الى لفظ الغيبة. والغرض من هذا الفن التطرية لنشاط الذهن. وقال (صراط الذين انعمت عليهم) فصرّح بالخطاب لما ذكر النعمة في حين قال (غير المغضوب عليهم) فزوى لفظ الغضب عنه (بصيغة المبني للمجهول) تحنّناً ولطفاً وهذا في غاية البيان.
5-براعة الاستهلال وهو من أرق فنون البلاغة وأرشقها حيث يبتدىءُ المتكلم كلامه بما يشير الى الغرض المقصود من غير تصريح، ومن امثلته في الشعر قول ابي تمام في قصيدته (فتح عمورية) : 
     السيف اصدق انباءً من الكتب
         في حدَّه الحدُّ بين الجد واللعب
     وقول المتنبي :
        اتراها لكثرة العشّاق
        تحسب الدّمع خلقةً في المآقي
6-الاستعارة التصريحية في قوله (اهدنا الصراط المستقيم) فقد شبّه الدين الحق بالصراط المستقيم الذي ليس به انحراف يخرجه عن الاستقامة.
من فوائد السورة :
1-الالف واللام في الحمد للجنس على الاصح لأن حقيقة المحامد ثابتة لله تعالى.
2-(غير) هو لفظ غير مذكر مفرد أبداً، واذا أريد به مؤنث جاز تأنيث فعله المسند اليه كقولك قامت غير هند. وانت تعني امرأة وهي في الاصل صفة بمعنى اسم الفاعل وهو مغاير ولذلك لا تتعرف بالاضافة. وقد يستثنى بها حملاً على الا، كما يوصف بـ إلا حملا عليها وهي من الالفاظ الملازمة للأضافة لفظاً أو تقديراً فادخال الالف واللام عليها خطأ.
3-أخر الفاتحة (ولا الضالين) أما لفظ أمين فليس منها ولا من القرآن مطلقاً وهو اسم بمعنى استجب ومن السنة ختم الفاتحة به وفيه لغتان المد والقصر .آمين.
في باب الفقه:
1-اختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فقال مالك واصحابه هي متعينة للامام والمنفرد في كل ركعة، ولم يختلف قول مالك انه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين ان صلانه تبطل ولا تجز به، واختلف قوله فيمن تركها ناسياً في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية فقال مرة يعيد الصلاة وقال أخرى: يسجد سجدتي السهو، قال ابن عبد البر : الصحيح من القول الغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلاً منها كمن اسقط سجدةً سهواً. وقال الحسن البصري : اذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة اجزأه ولم تكن عليه اعادة لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم القرآن وهي تامة لقوله عليه الصلاة والسلام : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب). قال ابو حنيفة والثوري والأوزاعي : ان تركها عامداً في صلاته كلها وقرأ غيرها اجزأه على اختلاف عن الاوزاعي في ذلك. وقال الطبريّ : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة فان لم يقرأ بها لم يجزه الا مثلها من القرآن عدد آيها وحروفها. وقال ابن عبد البر : وهذا لا معنى له لأن التعيين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها، وقال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها، وانما عليه أن يجيء بها ويعود اليها كسائر المفروضات المتعينات في العبادات.
2-من تعذر عليه بعد الجهد تعلم الفاتحة لزمه ان يذكر الله في موضع القراءة بما أمكنهُ من تكبير أوتحميد أو تهليل أو تمجيد أو لا حول ولا قوة الا بالله اذا صلّى وحده أو مع امام فيما اسّر فيه الامام.
3-فإن عجز عن اصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الامام جهده فالامام يحمل ذلك عنه ان شاء الله وعليه ان يجهد نفسه في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد الى ان يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله.
4-ومن لم يواته لسانه الى التكلم بالعربية من الاعجمين وغيرهم ترجم له الدعاء العربي بلسانه الذي يفقه لاقامة صلاته فان ذلك يجزئه ان شاء الله تعالى.
5-لا تجزىءُ صلاة من قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية في قول الجمهور. وقال ابو حنيفة: تجزئه القراءة بالفارسية وان احسن العربية لأن المقصود اصابة المعنى. وقال ابن المنذر : لا تجزئه، لأنه خلاف ما امر الله تعالى به أو النبي صلى الله عليه وسلم به.
بهذا نكون فد أحطنا ببعض اسرار (سورة الحمد) ومن الله التوفيق الى لقاءٍ آخر نستودعكم الله والسلام عليكم.