| الأمثال القرآنية دراسة تحليلية   عدد القراء : 596   . عبد الرحمن فاضل الحلقة الثانية تحدثنا فيما سبق من الحلقة الاولى للامثال القرآنية عن المعنى اللغوي والاصطلاحي، وعن اشكال وانواع المثل القرآني الوارد في كتاب الله العزيز. في هذه الحلقة سنواصل الحديث عن الامثال من حيث البيئة: للمثل القرآني بيئتان مختلفتان يدور حولهما في كل ضروبه هما: 1-البيئة المكية. 2-البيئة المدنية، ولكل منهما جوّه الخاص به واهدافه الخاصة كذلك. ففي البيئة المكية نجد غلبة الصعيد البدائي الذي كان سائدا عند الناس،فهو الاصل التشريعي الذي اقتضته الرسالة السماوية في طورها النشئ حيث معركة التغيير الجذري في العقائد والعادات، فالمجتمع ما زال في صباه الديني كما امتازت هذه المرحلة بالتذكرة بالاخرة، وتوحيد الله تعالى، فالرسالة الإسلامية كانت ماتزال بعد في فجرها حيث(سطوة قريش)وهذا يستدعي ان يدور مقصد المثل في هذه المرحلة حول عدة محاور منها. دحض المكذبين ووعيد الكافرين وثلب التفكير الوثني وكل ذلك بالتي هي احسن من مثل ذكر الاحداث السالفة التي مرت بها الامم قبلهم(والفكرة تقرع بالفكرة) وتمثل هذا الاتجاه الايات(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ{13} إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ{14} قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ{15} قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ{16} وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ{17} قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ......الخ)من سورة(يس)بما فيها الاستيعاب لذكر اهل القرية اذ جاءها المرسلون وبالتفصيل من التعريض بقريش والتلويح لهم بالعذاب الاليم. وحين وجد القرآن الكريم عقيلة قريش متخلفة باتجاهها المادي المحض، ولمس تفاخر القوم بالاموال والأولاد والديار ضرب لهم مثلا من نوع اخر أبان فيه ان الممتلكات ظل زائل وان المال في يد الانسان عارية منتقلة وان الاخرة خير ثواب. وسرد ذلك في ايات سور ة الكهف(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً...الخ44) بنحو من التفصيل بما يوحي ان المقتنيات دون ايمان تعود وبالاًا على صاحبها في الدنيا (حيث الخراب)وفي الاخرى (حيث لاراحم)؟ كما شن المثل القرآني حملة كبيرة في هذه البيئة على المعتقدات الزائفة لقريش حيث سفه عقائدهم الباطلة ومثل ذلك هذا الاتجاه قوله تعالى(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). اما البيئة المدنية فكانت تمثل ازدهار الاسلام في مدينة الرسول المنورة (صلى الله عليه وسلم) حينها تمكنت العقيدة من النفوس فاتخذ الاسلوب في المثل القرآني سبيلاً اخر يتمثل بالتوجيه، والتربية، والسلوك، والوعد الحسن. ويمكن ان نجمل اهم الظواهر التي روعيت في هذه البيئة بالاتي: 1-التأكيد على ضرورة التفريق بين الحق والباطل، والاشارة الى خلود الحق وزوال الباطل وزهوقه مهما كانت نتيجة الموازنة بينهما في الحياة الدنيا كما تشير اليه هذه الاية (َنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ). 2-ملاحقة المنافقين، وكشف نياتهم، وبيان حيرتهم وترددهم من اجل ان ياخذ المسلمون حذرهم من هذه الفئة المتظاهرة بالإيمان والمستبطنة للكفر والنفاق، وقد تكفلت الايات من سورة البقرة بذلك قال تعالى:(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ...22). 3-توضيح ما يجب ان يكون عليه الانسان من الاستمرار على الجادة الصحيحة، وعدم الانحراف عن خطها المستقيم، وقد ضرب القرآن اروع الامثلة لحالتي الاستقامة والانحراف فقال سبحانه(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ). (قال ابن عباس رضي الله عنهما حين سأله عمر رضي الله عنه عن معناها؟ فقال:ضرب مثلا لعمل. قال عمر رضي الله عنه اي عمل؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له شيطانا فعمل بالمعاصي حتى اغرق أعماله. 4-التدرج من الادنى لايضاح حقيقة الاعلى في مجال تثبيت نفوس المؤمنين، وطمأنة الجماعة الاسلامية، وتوجيهها في مجابهة المنافقين واضرابهم ممن لايدركون هذا الامر وتمثل هذا الاتجاه اية النور حيث قال تعالى:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). 5-ضرورة الاعتماد على النفس في العمل الصالح واستبعاد العقلية القبلية وفلسفة الأحساب، والانسان والقرابة، وذوي الرحم في نطاق التشريع الاسلامي، وسيرورة احكامه العامة فضرب لذلك مثلين متقابلين(للذين كفروا)(وللذين امنوا) لامرأتين في كل فريق قال تعالى:(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ{11} وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ). وفي هذه الايات تعريض، بل تصريح في تخويف المؤمنين، والمؤمنات او من اعتمد على علاقته بذوي الرساله من بطش الله تعالى، وهو تبشير ايضا لمن كان متصلا بالكافرين نسبا وهو مؤمن، فهذه الايات هي املاء لمبدأ المساواة في القيمة النسبية، وتأكيد لمبدا الفردية في قبول الاعمال ورفضها. وبعد هذا يتضح لدينا الفرق الكبير بين البيئتين(المكية والمدنية). وباختصار اقول(المهمة في مكة كانت متواكبة مع طبيعة الدعوة الاسلامية في ايامها الاولى، ومناسبة لسنة التدرج في التوجيه).(اما في المدينة فجاءت متوازنة مع عملية الاستجابة التي لمسها في النفوس). بقي ان اذكر انواع المثل القراني وهما نوعان: الاول: المثل الصريح، وكثيرة، ومعروفة مظاهره كقوله تعالى(َّمثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ)واشباهه. والثاني: المثل الكامن(غير الصريح)او ما يسمى(الالفاظ الجارية مجرى المثل) من ذلك قولهم (القتل انفى للقتل)ويوازيه في القران الكريم(ولكم في الحياة قصاص يا اولي الالباب...) وكقولهم (كل شاة تناط برجلها) ويقابله في القران (كل نفس بما كسبت رهينة). وكقولهم ايضا الامر(وقد وضح الصبح لذي عينين) ويقابله في القرآن قوله تعالى(الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) ويقولون (لكل مقام مقال)يقابله لكل نبأ مستقر (وكقولهم للحيطان اذان) قال تعالى(وفيكم سماعون لهم). وهذه الالفاظ الجارية مجرى المثل لها موضوعها القائم بذاته، ولها صيغ وتراكيب متعددة في القرآن الكريم. وختاما اقول ان للمثل اهمية كبيرة ففيه مواعظ مختصرة تنير الدرب للخلف ليروا الخير والراحة مما تركه السلف. |