| أجمل يوم في حياة المدينة النبوية   عدد القراء : 554   . عبد الرحمن علي كان اسمها (يثرب) قبل أن يقدم عليها نبينا المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وكان يكدر حالها وينغص عيش أهلها ما يغرقها من الأوبئة والأسقام التي تحل بأهلها. وكان يعلو أهلها الغم ويركبهم الهم من شدة ضنك حالهم وقلة حيلتهم. ولكن هذا الحال سرعان ما تغير وتبدّل بحدث غير مجرى تاريخ مدينة يثرب من حال إلى حال فصارت أيام مدينة (يثرب) كلها أيام فرح ونصر وفتوحات مهدت لعهد جديد وما من يوم يمر على المدينة إلا ويحمل بين طيات ساعاته لحظات عز وسؤدد وخير على أهل المدينة وهذا كله بعد ذلك الحدث التاريخي المبارك الذي جرى على عين الله وفضل رعايته لنبيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم). إن ذلك الحدث الذي غير أيام المدينة من ضيق الدنيا ونكدها إلى سعة الآخرة ونعيمها من، ومن عبادة ما يعبد من دون الله من المخلوقين والأوثان والأحجار إلى عبادة رب العباد الواحد الأحد ، ومن جور الأديان وظلمها إلى عدل الإسلام ورحمته ، هو اختيار الله تعالى لمدينة (يثرب) لأن تكون محط هجرة النبي من (مكة) التي ضاق أهلها بدعوته المباركة وهو يدعوهم إلى خيري الدنيا والآخرة ، لكنهم لم يقدروا عظم الرحمة المهداة إليهم حق قدره، فضاقوا به (صلى الله عليه وسلم) وبدعوته، فما كان من جزاء الله لهم إلا أن ضاقت حالهم بعد رخاء وتكدّرت أحوالهم بعد نعماء، فجرت عليهم أيام سود حالكات صبها الله عليهم جزاء ما كانوا يصدّون عن سبيل الله وكما قال الله تعالى في محكم كتابه:(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى). فكان الجزاء من جنس العمل. وأهل (يثرب) الذين فتحوا قلوبهم قبل أذرعهم لرسول الإسلام سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وتوجوه ملكاً على عروش قلوبهم وأحاطوه درعاً يحمونه بمهج نفوسهم ، فكان الجزاء لهم أن غيّر الله أيامهم بأن فتح عليهم وأصابهم بخيري الدنيا والآخرة ، لذا كان الجزاء من جنس العمل؛ بان أضاء الله لهم أيام حياتهم وجعلها عليهم نوراً وضياءاً بنور مقدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فصارت (يثرب) التي طيب الله أيامها تسمى (طيبة) وصارت تسمى بمدينة (طيبة وبالمدينة المنورة). وصارت أيام المدينة بعد ذلك أيام زهو وعز وفخار. ولكن من بين جميع أيامها,يوم هو الأجمل على الإطلاق من أيام المدينة النبوية المباركة . وهو أفضل يوم مر على أهل المدينة في حياتهم بأسرها. إن ذلك اليوم الأجمل من بين أيام المدينة النبوية ، هو اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم مدينة (يثرب) . ومنذ ذلك اليوم صار اسمها (المدينة المنورة) لأنها استنارت بهجرة النبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم إليها). وفي هذا اليوم فرح المسلمون في المدينة فرحاً شديداً عندما علموا أن رسول الهداية والرحمة المهداة (صلى الله عليه وسلم) قد ارتحل من مسجد قباء متجهاً إلى مدينتهم ، وظهر هذا الفرح على الرجال والنساء والأطفال . فأما الرجال فخرجوا لاستقباله . وأما النساء فصعدن على ظهور البيوت لينظرن موكب النبي وهو يدخل المدينة ، وأما الأطفال فانطلقوا يمرحون في شوارع المدينة وهم يقولون (جاء النبي ، جاء النبي). وان مما شغل بال المسلمين في المدينة المنزل الذي سيحل فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو أمر لم يتم بحثه في الأيام التي قضاها في قباء . وكانت المدينة منقسمة إلى أحياء ، وينزل في كل حي قبيلة من قبائلها . وكانت كل قبيلة تتمنى أن تحوز شرف ضيافة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حيها لتكرمه وتنال شرف خدمته. ولما دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة وقف أهل كل حي يحيونه ، ويدعونه ليكون ضيفهم ، وليكونوا أنصاراً لدين الله تعال . وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يردّ على تحيتهم ويدعوا لهم بالخير ، ويقول لهم وقد أقبلوا يمسكون بزمام ناقته : ( دعوها فإنها مأمورة . وإنما أنزل حيث أنزلني الله سبحانه) ، وتكرر هذا الموقف أكثر من مرة ، وتكرر الجواب النبوي نفسه. وسارت الناقة برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المدينة ، وقد وضع زمامها على عنقها لتنـزل حيث شاء الله تعالى لها. ووصلت إلى ساحة كان يملكها غلامان يتيمان من بني النجار، فبركت فيها ، واشترى تلك الأرض من اليتيمين ، وظهر بذلك قول النبي (صلى الله عليه وسلم):دعوها فإنها مأمورة، فإنما انزل حيث أنزلني الله). وكانت هذه الساحة مجاورة لبيت أبي أيوب الأنصاري (رضي الله عنه) وكان أبو أيوب أسعد أهل المدينة بنـزول النبي (صلى الله عليه وسلم) بجوار بيته فأسرع إلى ناقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأنزل عنها رحلها ودعا الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليكون ضيفه وكان نزول النبي (صلى الله عليه وسلم) في حي بني النجار شرفاً عظيماً لهم فأقبلت فتياتهم ينشدن وهن فرحات: نحنُ جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار. |