الأمثال القرآنية دراسة تحليلية   عدد القراء : 637   .
عبد الرحمن فاضل
الحلقة  الاولى
يقول الله تعالى(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)
إن الامثال هي رمز من رموز الامة والشعوب جميعا بلا استثناء وسبب شهرة الامثال وذيوعها وشيوعها بين الناس بسرعة يرجع الى ان(المثل):
هو (حكاية مختصرة لحادثة ما او لمعتقد ما او لرأي ما اختزلت بهذا الشكل الذي عليه الآن).
ولان الامثال هي تصوير لحقيقة معنوية بصورة حسية تكون ملازمة لها دائما وهذه هي وظيفة المثل عند الناس فهم بطبعهم مجبولون على تصديق ما هو ملموس معلوم في حياتهم وليس هناك شيء اثبت في الاذهان من الصور الحسية.
كما ان المثل يخرج الخفي بصورة الجلي والبعيد بصورة القريب وينقل الشخص من شيء معروف الى شيء هو به اعرف اذن المثل هو (الرباط والجسر الذي يوصل بين المجهول والمعلوم).
والامثال ايضا (هي كلام بليغ منتشر بين الناس تداولوه لحسن الفاظه ولسلاستها وحلو معانيها) فنحن نلحظ ذلك عند كل الناس فهم يحفظون من الامثال مالايحفظون من غيره من اشكال الادب مثل(الشعر وغيره..).
وقد تجلت قمة الامثال في القرآن الكريم كتاب الله الخالد الذي فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا والذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء لذا كان لزاما علينا ان نعي هذا الجانب المهم من تراث هذه الامة الخيرية المتميزة بكل شيء حتى في امثالها.
لذا رأيت من الاهمية بمكان ان اخصص زاوية لهذا الجانب الفكري الاسلامي الخالد يكون مسلسلا في حلقات تدور حول هذا الفن الجميل من التراث الاسلامي العربي نتحدث فيه عدن (امثال القرآن) تفسيرا وتحليلا لنضع ايدينا على هذا العالم البهي من علوم القران العظيم دستور حياتنا الخالد.
راجيا من الله عز وجل التوفيق والاخلاص والسداد والنفع لنا جميعا انه خير مسؤول وهو ارحم الراحمين.
وهذه الحلقة وهي الاولى ستكون مخصصة للتعريف بالامثال لغة واصطلاحا واهمية واشكالا واقساما ثم في الحلقات القادمة (إن شاء الله) سنتناول الامثال بشيء من التفصيل وسأحاول ان أغطي على كل الامثال القرآنية لناخذ الدرس والعبرة لا فقط كما يدور على الالسنة (الامثال تضرب ولا تقاس) فاقول وبالله التوفيق.
المثل لغة: ماخوذ من قولهم(ضرب المثل جعله يسير في البلاد من قولهم ضرب في الارض اذا سار فيها ومنه سمي المضارب مضاربا وله معان عدة كلها تدور حول الشبه والمثل فمن هذه المعاني (التمثيل اي شيء بشيء) وايضا (العبرة والحجة والاية) يقول الهمذاني (وجعلته مثلا مضروبا واحدوثة سائرة وعبرة ظاهرة وعظة بالغة وتقول جعلته حديثا للغابر واعجوبة للناظر ومثلا للسامع وعبرة للمتوسم وعظة للمتفكر لان الغاية من المثل هي العبرة اواقامة الحجة او اظهار اية دالة على شيء ما).
وكذلك من معاني المثل(الشاخص والحذو)قال الاصمعي مثل بين يديه اذا انتصب فهو اشبه بالصورة المنصوبة لان المثال هو قصاص من وجه ما لتشبيه حال المنقص بحال الاول كقول زهير ابن ابي سلمى
          كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
                      وما مواعيدها الا الاباطيل
فصارت مواعيد عرقوب علما وشاخصا منتصبا لكل مالا يصح من المواعيد.
وقال ابن سنان الخفاجي سمي المثل مثلا لانه ماثل بخاطر الانسان ابدا اي شاخص فيتأسى به ويتعظ ويخشى ويرجو والشاخص هو المنتصب وايده على هذا المعنى ابن القيم والمثل والمثل ايضا كشبه وشبه وقولهم مثل به اذا نكل وهو ايضا من هذا لان المعنى فيه اذا نكل به حفل ذلك مثالا لكل من صنع ذلك الصنيع او اراد صنعه وعلى ذلك فالمثل السائر كقوله (في الصيف ضيّعت اللبن) فهو علامة لكل من ضّيع الفرصة واهدرها.
اما اصطلاحا فيدور معنى المثل حول الايجاز والسيرورة بين الناس والغرابة قال المبرد هو قول سائر يشبه به حال الثاني بالاول وقال الرازي ثم قيل للقول السائر المتمثل مضربه بمورده -مثل-وشرطه ان يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه وفسره بعضهم بانه فنون من التعبير بعظها موجز وبعضها مطول اطلقوه على الكلمة الموجزة التي اكتسبت صفة الشيوع والشهرة بين الناس ومن معانيه ايضا النظير وبعض العلماء ساوى بين هذه المعاني وجعلها معنى واحداً.
وقد وردت الامثال في القرآن مسبوقة بلفظة ضرب ومشتقاتها وهي كثيرة مثال ذلك قوله تعالى(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) وقوله(ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)وقوله(وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ)وقوله(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُون)وغيرها...وهذا من بديع القرآن ودليل اعجازه لان هذه اللفظة تستعمل لدلالات متعددة وكان القرآن حين يستخدمها يمد البيان العربي بمزيد من الزخم اللغوي في احتمال الوجوه الممكنة فالضرب يأتي بمعنى (المثل والمثل والمثال والوصف والبيان والتثبيت والاعتماد والوضع والذكر والاخذ والانتزاع) وهي بمجموعها لاغنى عنها في ارادة المعاني كافة فاقتران لفظ(الضرب -بلمثل) في القرآن الكريم يوحي باكثر من المعنى الظاهر في اللفظ ويستوعب ما ذاع منها وانتشر لهذا نجد المثل يسير بسرعة بين الناس كالذي يضرب في الارض كناية عن السير فيها وهذا هو معنى(المثل).
وللمثل في القرآن الكريم صيغ واشكال عدة هي
1-الماضي كقوله تعالى(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء)وكقوله تعالى(انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً)وكقوله:(َا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).
2-المضارع للحال والاستقبال كقوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)وكقوله تعالى:(فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).
3-الامر الدال على الطلب:كقوله تعالى(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً).