لغــــة القـــرآن   عدد القراء : 575   .


ليث سلمان الآلوسي
الحلقة الثانية
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)
بسم الله والصلاة على رسول الله وبعد:
فموضوعنا اليوم هو التسمية (بسم الله الرحمن الرحيم) والفاظها كما يلي:
اسم / اختلف علماء اللغة في اشتقاق الاسم، فذهب البصريون الى انه من السّموّ، وهو العلوّ. وذهب الكوفيون الى انه مشتق من السمّة وهي العلامة. وكلاهما صحيح من جهة المعنى وفيه خمس لغات:
إسم بكسر الهمزة، واُسم بضم الهمزة، سِم بكسر السين، وسُم بضم الهمزة، وسُمى بوزن هدى. والاسم هو واحدُ الاسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون فاذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة تفادياً للابتداء  بالساكن لسلامة لغتهم من كل لكنة واذا وقعت في درج الكلام لم تفتقر الى شيء.
الله / علم لا يطلق الاعلى المعبود بحق خاص لا يشركه فيه غيره، وهو مرتجل غير مشتق عند الاكثرين واليه ذهب سيبويه في احد قوليه، فلا يجوز حذف الألف واللام منه.
وقيل هو مشتق واليه ذهب سيبويه ايضاً. ولهم في اشتقاقه قولان:
1-أن أصله إلاه على وزن فعال من قولهم ألِه الرجل يأله إلاهة، أي: عبد عبادة ثم حذفوا الهمزة تخفيفاً لكثرة وروده واستعماله ثم أُدخلت الألف واللام للتعظيم ودفع الشيوع، الذي ذهبوا اليه من تسمية اصنامهم وما يعبدونه ألهة من دون الله.
2-أن أصله لاه، ثم أُدخلت الألف واللام عليه، واشتقاقه من لاه يليه اذا تستر كأنه - سبحانه - يُسمّى بذلك لاستتاره واحتجابه عن ادراك الابصار.
وهناك قول جميل للشريف الرضى:
تاهت العقول في ذاته تعالى وصفاته، وتحيّروا أيضاً في لفظ الجلالة فاختلفوا : أسريانيّ هو ام عربي ؟ اسم أم صفة ؟ مشتق ومم اشتقاقه ؟ وما أصلهُ ؟ أم غير مشتق ؟ علم أم غير علم.
الرحمن / صيغة فعلان في اللغة تدل على وصف فعليّ فيه معنى المبالغة للصفات الطارئة كعطشان وغرثان.
الرحيم / صيغة فعيل تدل على وصف فعليّ، فيه معنى المبالغة للصفات الدائمة الثابتة ولهذا لا يستغنى بأحد الوصفين عن الأخر.
الاعراب / بسم، جار ومجرور متعلقان بمحذوف والباء هنا للأستعانة أو للالصاق، وتقدير المحذوف: أبتدئ فالجار والمجرور في محل نصب مفعول به متقدم او ابتدائي فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف. وكلاهما جيد.
اللهِ / مضاف اليه. الرحمن الرحيم، صفتان لله تعالى وجملة البسملة ابتدائية لا محلّ لها من الاعراب.
وما يتعلق بالبسملة:
1-ان البسملة أية من سورة الحمد وأية من أوائل كل سورة عند الشافعي وليست أية في كل ذلك عند الامام مالك. وعند ابي حنيفة وأحمد ابن حنبل هي أية من أول الفاتحة وليست أية في غير ذلك.
2-لم يوصف بـ (الرحمن) في العربية بالالف واللام الا الله تعالى وقد نعتت العرب مسيلمة الكذاب به مضافاً فقالوا : رحمان اليمامة وقال شاعر يمدح مسيلمة :                     سموت بالمجد يا ابن الاكرمين أباً
          وانت غيثُ الورى لازلت رحماناً
3-وقد حذفوا الف (اسم) من قوله (بسم الله) وأثبتوه في قوله (اقرأ باسم) والفرق من وجهين الأول: ان كلمة (بسم الله) مذكورة في اكثر الاوقات عند أكثر الافعال فلأجل التخفيف حذفوا الألف بخلاف سائر المواضع فان ذكرها قليل. الثاني قال الخليل/ انما حذفت الالف في قوله (بسم الله) لأنها انما اُدخلت بسبب ان الابتداء بالسين غير ممكن فلما دخلت الباء على الأسم نابت عن الالف فسقطت في الخط.
4-تحذف الألف من الرحمن لدخول الألف واللام عليها.
5-يقال لمن قال بسم الله الرحمن الرحيم. مبسمل وهو ضرب من النحت اللغوي وقد ورد في شعر لعمر بن ابي ربيعة:
    لقد بَسمَلتْ ليلى غداة لقيتهــا
         فياحبذا ذاك الحبيب المُبَسْمِل.
ومثل بَسْمَلَ حوقل : اذا قال لا حول ولا قوة الا بالله. وهيلل اذا قال: لا اله الا الله. وسبْحَلَ اذا قال سبحان الله وحمدل اذا قال : الحمد لله. وحيصل وحيعل اذا قال : حي على الصلاة وحي على الفلاح وجعفل اذا قال : جعلت فداك.
والنحت عند العرب خاصّ بالنسبة أي انهم يأخذون اسمين فينحتون منها اسماً واحداً كقولهم: حضرميّ وعبقسي عبشميّ نسبة الى حضرموت وعبد القيس وعبد شمس. وذكر الفراء عن بعض العرب : معي عشرة فأحِدْهن لي : أي صيرّهن أحد عشر.
6-كانت قريش قبل البعثة تكتب في أول  كتبها : (باسمك اللهم) وكان أُمية بن أبي الصلت أول من كتب : باسمك اللهم الى ان جاء الاسلام ونزلت بسم الله الرحمن الرحيم. وروى محمد بن سعد في (طبقاته) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكنب كما تكتب قريش، باسمك اللهم حتى نزل قوله تعالى : ? وقال ارْكبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ). فكتب باسم الله، حتى نزل قوله تعالى : (قل ادعوا الله أو ادعوُا الرحمن) فكتب باسم الله الرحمن حتى نزل قوله تعالى : (إنه من سليمان وانّه بسم الله الرحمن الرحيم ). فكتب بسم الله الرحمن الرحيم.
7-طوّلوا الباء من (بسم الله) وما طولوها في سائر المواضع وذكروا في الفرق وجهين : الأول / انه لما حذفت الف الوصل بعد الباء طولوا هذه الباء ليدل طولها على الالف المحذوفة التي بعدها. الا ترى انهم لما كتبوا ? اقرأ باسم ربك ? بالالف ردوا الباء الى صفتها الاصلية. الثاني / قال القتيبي : انما طولوا الباء لأنهم أرادوا ان لا يستفتحوا كتاب الله الا بحرف معظم وكأن عمر بن عبد العزيز يقول لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ودوروا الميم تعظيماً لكتاب الله.
وما يتعلق بالقراءة:
فاجمع القراء على ان الوقف على قوله "بسم" ناقص قبيح وعلى قوله "بسم الله" أو على قوله "بسم الله الرحمن" كافٍ صحيح وعلى قوله "بسم الله الرحمن الرحيم" تام، واعلم ان الوقف لابد وان يقع على احد هذه الأوجه الثلاثة وهو ان يكون ناقصاً أو كافياً أو تاماً.
فالوقف على كل كلام لا يفهم بنفسه ناقص والوقف على كل كلام مفهوم المعاني الا ان ما بعده متعلقٌ بما قبله يكون كافياً والوقف على كل كلام تام ما بعده منقطع عنه يكون وقفاً تاماً. بقي ان نعرف ان التسمية سنة المسلم في كل أقواله وأفعاله وطعامه وشرابه جماعه مع قتاله . . . الخ.لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بني سمِّ الله ثم كُل).
ومن النكت الواردة في البسملة:
ربما يقول قائل لما قدم  سليمان عليه السلام اسمه على اسم الله تعالى في قوله ? انه من سليمان ? فالجواب من وجوه:
الأول / ان بلقيس لما القي اليها الكتاب ورأت الهدهد يقف على طرف الجدار علمت ان ذلك الكتاب من سليمان فأخذت الكتاب وقالت انه من سليمان فلما فتحت الكتاب ورأت بسم الله الرحمن الرحيم قالت وانه بسم الله ......... فقوله (انه من سليمان) من كلام بلقيس لا كلام سليمان:
الثاني / لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب (انه من سليمان) وفي داخل الكتاب ابتدأ ( بسم الله ...) كما هو العادة في جميع الكتب.
الثالث / ان بلقيس كانت كافرة فخاف سليمان ان تشتم الله اذا نظرت في الكتاب فقدم اسمه على اسم الله تعالى ليكون الشتم له. الفخر الرازي
وبهذا نكون قد أحطنا بالبسملة من معظم وجوهها لنتهيأ للرحلة المباركة مع القرآن الكريم وسنمضي معاً خطوة خطوة لنتدبر ذلك الكتاب آية آية بل مع كل لفظٍ ستكون لنا وقفة وتأمل لعلنا نهتدي الى السبيل بعد ضياع وانحرافٍ وبحثٍ طويل عن اسرار السعادة البشرية اين تكمن بينما هي في متناول أيدينا وقد هجرناها حين أعرضنا عن القرآن الذي فيه سعادة البشرية وفي هجره بؤس البشرية وضياعها. (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم).
روي ان عمر بن الخطاب لقي نافع بن عبد الحارث في عسفان وقد ولاّه على مكة فقال له عمر : من استخلفت على اهل الوادي ؟ قال استخلفتُ (أبن أبزى) فقال عمر : ومن ابن ابزى ؟ قال : رجل من موالينا فقال استخلفت عليهم رجلاً من مواليك ؟ أي ينكر عمر بن الخطاب - عليه هذا الاختيار. قال : يا أمير المؤمنين انه رجل قارىء لكتاب الله عالم بالفرائض قاضٍ. فقال عمر : أما ان نبيكم صلى الله عليه وسلم قال :(ان الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به أخرين).
والى لقاءٍ آخر نستودعكم الله والسلام عليكم.