| أسباب قتال أهل الكتاب لنا؟   عدد القراء : 561   . الشيخ أحمد الزومان منذ ظهور نور الإسلام، إلى يومنا هذا - وأهل الكتاب - اليهود والنصارى - يكيدون لهذا الدِّين ولأتباعه؛ تارة بالخفاء وتارة بالعَلَن، بالعساكر الجرَّارة التي تطأ أراضي المسلمين وتستبيحها، وتُهلك الحَرْثَ والنَّسْلَ، وتستولي على أجزاء من بلاد الإسلام. وقد اشتدَّت هذه الحملة على بلاد المسلمين بتمكين يهود الشَّتات من فلسطين، الأرض المبارَكة، مَسْرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعاقبت الدول النصرانية على دعمهم؛ لضمان بقائهم. وهذه الهجمة التي يتعرَّض لها المسلمون، من اليهود المغضوب عليهم، ومن النصارى الصليبيين، التي أزاحت دولًا إسلامية، وشرَّدت أهلها، ودمَّرت قدراتهِا الماديَّة - هي امتدادٌ للحروب الصليبية الغابرة، ولا ينبغي أن تُعْزَل هذه الحوادث عمَّا سبقها من حملات؛ فليس الأمر متعلِّقٌ بدولةٍ بعينها، أو بشخصٍ بعينه؛ فهذه الحملات وُجِدَتْ قبل وجود بعض الدول الصليبية المعاصرة، وهذه الحملات - مع القدرة عليها - باقيةٌ ما بَقِيَتِ العقائد. من الخطأ أن تُخْتَزَل هذه الحروب وهذه الحملات على مجرد إسقاط حكومة أو اقتحام قطاع؛ بل هذه الأحداث تنفيذُ أمر الرَّبِّ - بزعمهم - تعالى ربُّنا عن الظلم والاعتداء. فالقضية قضيةٌ عَقَدِيَّة، تستمدُّ توجُّهاتِها من نصوص محرَّفة، فالحامل على هذه الممارسات على المسلمين - حكومات وأفراد - هو توجُّهات عَقَدِيَّة، تحمل في طيَّاتها أنهم جنسٌ اختصَّهم الله من بين سائر الأمم؛ فهم في المنزلة الرَّفيعة عند ربِّهم - بزعمهم - فهم أحبابه في الدنيا، وخِيرَة خَلْقِه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُه). وحاصل دعواهم: أن لهم فضلًا ومَزِيَّةً عند الله تعالى على سائر الخَلْق، فردَّ سبحانه عليهم ذلك، وقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(قُلْ) إلزامًا لهم وتبكيتًا:(فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ). فهذه الغطرسة على الأُمَم، وهذا التعالي على الشعوب - وليدُ هذه الفِرْيَة على الله - عزَّ وجلَّ. يحرِّكهم الطمع في حملاتهم العسكرية في الاستيلاء على خيرات الشعوب، ونهب ثرواتهم، يستحلُّون ذلك في قرارة أنفسهم، بما يفترونه على ربِّهم، بأنه لم يجعل عليهم حَرَجًا في أكل أموال الأمِّيِّين - وهم العرب - وأنه قد أَحَلَّها لهم: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وقد اختلقوا هذه المقالة، وافتروا على الله بهذه الضلالة؛ فإنَّ الله حرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقِّها، وإنما هم قومُ بُهْتٍ:(وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). من الخطأ أن نظنَّ أن أهل الكتاب سوف ينصفوننا من بعضهم، أو من أبناء عمومتهم؛ فقد نهانا ربُّنا من توليهم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء)، معللاً ذلك بأن:(بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)، فهم متَّفقون على كلمةٍ واحدةٍ ضدَّ المسلمين، في كلِّ ما يأتون وما يَذَرون، فالكلُّ مُجْمِعُونَ على مضادَّتنا ومضارَّتنا؛ بحيث يبغوننا الغوائل؛ فكيف يُتَصَوَّر منهم النصر لنا، وإنصافنا من المعتدين منهم؟ والسؤال الذي يتبادر إلى الذِّهن: متى يكفُ أهل الكتاب شرَّهم عن المسلمين، ويتركونهم وشأنهم؟ متى يقفُ تدخُّل أهل الكتاب في خصوصيَّات المسلمين؟ يبيِّن ذلك ربُّنا بقوله تعالى: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ)، إذا هم يتعاملون مع حفنةٍ من الناس ضالُّون في تصوُّرهم وفي اعتقادهم، وسلوكهم ومعاملاتهم، وتعليمهم وإعلامهم، وسائر شؤونهم، والحلُّ في علاج هذا الضَّلال - بزعمهم - أن يسلموا زمامهم للغرب، ويتخلُّوا عن كلِّ ما عندهم؛ إذا لن تقف هذه الحملة إلا إذا غُرِّبت الأمَّةُ كلِّها، وسُلِخَت عن ميراثها من الوحيَيْن، ونُصِّرت عن بكرة أبيها!! ولعلَّ هذا يتجلَّى ظاهرًا في دعم نصارى العرب، الدَّعم المادي بالمال والسلاح، والدعم المعنوي في المحافل السياسية، والضغط على الحكومات التي توجَد فيها هذه الأقليات؛ لتحصيل المكاسب لهم. فالكل عرب؛ إلا أنَّ هذه الأقليَّات تدين بالنَّصرانية، بخلاف الأغلبية العربية التي تدين بالإسلام. (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). كما يقول ربُّنا تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أخبر ربُّنا - عزَّ وجلَّ - أنَّ ما حصل من اتِّهام أمِّ المؤمنين الطاهرة المطهَّرة عائشة رضي الله عنه في عِرْضها، مع ما فيه من أذًى لبيت النبوَّة - خيرٌ، لما آل إليه الأمرُ، من خير لعائشة رضي الله عنه خاصَّة، وللمؤمنين عامَّة، وكشف حال المنافقين؛ فكذلك هذه الحملات الجائرة على بلاد المسلمين، وعلى المسلمين العُزَّل. وهي على ما فيها من آلام وحزن، واعتداء على الحُرُمات، وإهلاك الحَرْث والنَّسْل - إلاَّ أن فيها جوانب خير؛ حيث جعلت أكثر المسلمين يستيقنون كذبَ الادِّعاء بأن الحكومات الغربية علمانية التوجُّه، وليس للكنيسة أثرٌ في توجُّهها؛ حيث هذه الحروب الصليبية تحرِّكها نصوص محرَّفة. ومن خيرها: أنها أسقطت ما يتشدَّق به أهل الكتاب من حقِّ الشعوب في تقرير مصيرها. ومن خيرها: أنها فضحت ما يتشدَّق به أهل الكتاب من حقوق الإنسان؛ حيث أصبحوا مَضْرِبَ المَثَل في امتهان الإنسان الذي يخالفهم في توجُّهه. ومن خيرها: أنها نَسَفَتِ الدِّيمقراطية التي يتغنَّى بها أهل الكتاب، ويبشِّرون بها الشعوب لتحريرهم مما هم فيه؛ حيث نصبوا حكَّامًا أتوا بهم على ظهور الدبابات. ومن خيرها: أنها أظهرت أنه ليس أحدٌ بمنأى عن هذه الحملة الغاشمة الظالمة. ومن خيرها: أنها أَحْيَتِ الولاءَ والبَراء عند بعض المسلمين. ومن خيرها: أنها جعلت دعاة التَّغريب في بلاد الإسلام يتبرَّؤون من مصدر إلهامهم، ويتوارون من سوء صنيعهم، ويُلْبِسون دعوتهم لبوسًا آخَر. ومن خيرها: أنها أسقطت دعوى حرية الإعلام؛ فهذه الحرية مشروطة بخدمة توجُّهات الغرب، وإظهاره بالمَظْهَر الحَسَن، أما حينما تُظْهِر وَجْهَهُ القبيح وهمجيَّته؛ فمن أوَّل مَنْ يُستهدَف: الإعلاميون ومقارّهم. ومع اشتداد الحملة على المسلمين؛ لا يزال الأمل والثِّقة بنصر الله وتمكينه لأوليائه - هو الحادي على العمل، فكلما اشتدَّ الخَطْب وازداد الكَرْب، وتمادى المعتدي في غيِّه - فهذا مؤذِّنٌ بنزول النَّصْر وقَصْم المعتدي: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)، ولم ينتصر المسلمون في معاركهم الفاصلة بكثرة عدد وعُدَّة؛ بل بالتوكُّل على الله، مع بَذْل الأسباب؛ بل لمَّا رَكنوا إلى عددهم وعُدَّتهم؛ دِيَل الأمرُ عليهم أوَّل الأمر: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ). |