قصة قصيرة/رجل فيه سمات/د. مازن سعد الدين   عدد القراء : 125   .


 

أتى شابّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وكان في المنتدى وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفاه أمامه.

‏قال عمر: ما هذا

‏قالا : يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا

‏قال : أقتلت أباهم ؟

‏قال: نعم قتلته

‏قال: كيف قتلتَه؟؟

‏قال: دخل بجمله في أرضي، فزجرته، فلم ينزجر

فأرسلت عليه ‏حجراً، وقع على رأسه فمات...

‏قال عمر: القصاص..

‏الإعدام.. قرار لم يكتب.. وحكم سديد لا يحتاج مناقشة

لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل

هل هو من قبيلة شريفة ؟ هل هو من أسرة قوية؟

‏ما مركزه في المجتمع؟

كل هذا لا يهم عمر (رضي الله عنه) لأنه لا ‏يحابي ‏أحداً في دين الله ولا يجامل أحداً على حساب شرع الله، ولو كان ‏ابنه

‏القاتل، لاقتص منه..

‏قال الرجل: يا أمير المؤمنين:

أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض ‏أن تتركني ليلة

لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية

فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني، ثم أعود إليك والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا

‏قال عمر : من يكفلك أن تذهب إلى البادية، ثم تعود إليَّ ؟

‏فسكت الناس جميعاً

إنهم لا يعرفون اسمه، ولا خيمته، ولا داره ‏ولا قبيلته ولا منزله فكيف يكفلونه، وهي كفالة ليست على عشرة دنانير

ولا على ‏أرض، ولا على ناقة

إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف...

‏ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله؟

ومن يشفع عنده؟

ومن ‏يمكن أن يُفكر في وساطة لديه؟

فسكت الصحابة، وعمر مُتأثر، لأنه ‏وقع في حيرةهل يُقدم فيقتل هذا الرجل

وأطفاله يموتون جوعاً هناك أو يتركه فيذهب بلا كفالة

فيضيع دم المقتول

وسكت الناس، ونكّس عمر ‏رأسه، والتفت إلى الشابين: أتعفوان عنه؟

‏قالا : لا، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين..

‏قال عمر: من يكفل هذا أيها الناس ؟!!

‏فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده، وصدقه، وقال:

‏يا أمير المؤمنين، أنا أكفله

‏قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قتلا

‏قال: أتعرفه؟

‏قال: ما أعرفه، قال: كيف تكفله؟

‏قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين، فعلمت أنه لا يكذب، وسيأتي إن شاء ‏الله، ‏قال عمر: يا أبا ذرّ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك، ‏قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين..

‏فذهب الرجل، وأعطاه عمر ثلاث ليال ٍ، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده، ثم يأتي، ليقتص منه لأنه قتل...

‏وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد، يَعُدّ الأيام عداً

وفي العصر ‏نادى ‏في المدينة:

الصلاة جامعة، فجاء الشابان، واجتمع الناس

وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر

قال عمر: أين الرجل؟

قال: ما أدري يا أمير المؤمنين

‏وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها

وسكت ‏الصحابة واجمين، عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله.

‏صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد ‏لكن هذه شريعة، لكن هذا منهج، لكن هذه أحكام ربانية لا يلعب بها ‏اللاعبون ‏ولا تدخل في الأدراج لتُناقش صلاحيتها ولا تنفذ في ظروف دون ظروف ‏وعلى أناس دون أناس

وفي مكان دون مكان...

‏وقبل الغروب بلحظات

وإذا بالرجل يأتي

فكبّر عمر، وكبّر المسلمون ‏معه ‏فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك

ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك

‏قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى

ها أنا يا أمير المؤمنين

تركت أطفالي كفراخ ‏الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل..

‏فوقف عمر وقال للشابين: ماذا تريان؟

‏قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه..

‏قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته...

‏جزاكما الله خيراً أيها الشابان على عفوكما وجزاك الله خيراً يا أبا ‏ذرّ

‏يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته

وجزاك الله خيراً أيها الرجل ‏لصدقك ووفائك...

وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك ورحمتك...

‏قال أحد المحدثين:

والذي نفسي بيده، لقد دُفِنت سعادة الإيمان ‏والإسلام ‏في أكفان عمر.